بقلم/ دكتور الزبير حمزة
يعتبر الكلام من أعظم النعم التي منحها الله للإنسان فهو وسيلة للتواصل ونقل المعرفة والتأثير في الآخرين وبناء العلاقات بين الأفراد والمجتمعات ومنذ القدم ارتبطت الكلمة بمكانة رفيعة حتى قيل إن الكلمة قد تبني أمة أو تهدمها وقد تصلح بين الناس أو تشعل بينهم الخصومات ومع تطور المجتمعات وظهور وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية، أصبح الكلام أيضاً يمثل في بعض الأحيان مصدراً للرزق ومجالاً مهنيئاً يعتمد عليه ملايين الأشخاص في أنحاء العالم. ومن هنا برز مفهوم الاسترزاق من الكلام وهو مفهوم يحمل معاني متعددة بعضها إيجابي يعكس قيمة العلم والخبرة وبعضها سلبي عندما يتحول الكلام إلى وسيلة للتضليل أو الاستغلال
في معناه البسيط، يعني الاسترزاق من الكلام أن يعتمد الإنسان في كسب دخله على مهارة الحديث أو الإقناع أو التعليم أو الكتابة أو الإلقاء. وهذا أمر عرفته البشرية منذ قرون فالمعلم يشرح دروسه بالكلام والخطيب يلقي مواعظه والمحامي يدافع عن موكله بالحجة والبيا، والإعلامي ينقل الأخبار والكاتب يعبر عن أفكاره بالكلمات، والمتحدث في المؤتمرات يقدم خبراته مقابل أجر ولا يرى الناس في هذه المهن حرجاً بل يعدونها من الأعمال المحترمة التي تقوم على المعرفة والمهارة ما دامت تؤدى بإخلاص وأمانة
غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الكلام سلعة تستخدم للتأثير على الناس بغير حق أو لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الحقيقة فقد يلجأ بعض الأشخاص إلى المبالغة أو نشر المعلومات المضللة، أو إثارة الجدل أو استغلال العواطف من أجل زيادة الشهرة أو تحقيق الأرباح وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحاً حيث يكافأ أحياناً المحتوى المثير للانفعال أو الصادم أكثر من المحتوى الدقيق والنافع مما يدفع بعض صناع المحتوى إلى تفضيل الإثارة على الصدق.
ومن الجانب الأخلاقي لا تكمن المشكلة في أخذ الأجر مقابل الكلام بل في طبيعة الكلام ذاته فالكلمة الصادقة التي تنشر العلم أو تقدم النصح أو تدافع عن الحق تستحق التقدير بل إن المجتمع بحاجة إليها أما الكلمة التي تقوم على الكذب أو التشهير أو التحريض أو الخداع فإنها تفقد قيمتها مهما حققت من مكاسب مادية ولهذا ارتبطت قيمة الكلمة في مختلف الثقافات بمسؤولية قائلها لأن أثرها قد يمتد إلى أعداد كبيرة من الناس
وفي المنظور الإسلامي للكلمة مكانة عظيمة وقد دعا الإسلام إلى الصدق وحسن البيان والبعد عن الزور والبهتان كما أجاز أخذ الأجر على الأعمال النافعة التي تعتمد على العلم والتعليم والخبرة إذا كانت في إطار مشروع وأمين فالغاية ليست مجرد تحقيق الربح وإنما أن يكون الكسب قائماً على منفعة حقيقية واحترام للحقائق مع تجنب استغلال العلم أو ثقة الناس لتحقيق مصالح شخصية بطرق غير مشروعة
وفي المقابل لا ينبغي أن يتحول الاتهام الاسترزاق من الكلام إلى وسيلة للتقليل من قيمة كل من يعمل في التعليم أو الإعلام أو الكتابة أو الخطابة فهذه المهن تقوم في جوهرها على الكلمة وهي ضرورية لتقدم المجتمعات ونشر المعرفة ومن غير المنصف أن يُتهم كل من يتقاضى أجراً مقابل هذه الأعمال بأنه يسعى وراء المال فقط لأن العمل المهني المشروع يستحق أجراً شأنه شأن أي عمل آخر يعتمد على الجهد والمهارة.
لقد غير العصر الرقمي مفهوم الكلمة بصورة كبيرة فلم يعد المتحدث يخاطب جمهوراً محدوداً بل أصبح بإمكانه الوصول إلى ملايين الأشخاص بضغطة زر وهذا التطور زاد من حجم المسؤولية إذ أصبحت الكلمة تنتشر بسرعة وقد يكون تأثيرها واسعاً وعميقاً لذلك يحتاج صانع المحتوي والصحفي والمعلم والخطيب وكل من يخاطب الجمهور إلى تحري الدقة واحترام الحقيقة والتفكير في آثار ما يقوله قبل نشره
وفي النهاية، فإن الاسترزاق من الكلام ليس أمراً مذموماً في ذاته بل تتحدد قيمته بما يحمله الكلام من صدق أو كذب ومنفعة أو ضرر وبالغاية التي يستخدم من أجلها. فإذا كانت الكلمة وسيلة لبناء الإنسان ونشر المعرفة وإصلاح المجتمع، فإنها تصبح عملاً كريماً يستحق التقدير أما إذا تحولت إلى أداة للتضليل أو الكسب غير المشروع أو استغلال الناس فإنها تفقد شرفها مهما حققت من شهرة أو مال ولهذا يبقى المعيار الحقيقي ليس في أن يرزق الإنسان من كلامه وإنما في نوع الكلام الذي يقدمه ومدى التزامه بالصدق والأمانة والمسؤولية تجاه المجتمع











إرسال تعليق