الطيب مصطفى… جوانب يجهلها الكثيرون (2)

  • بتاريخ : 3 أغسطس، 2026 - 9:44 ص
  • الزيارات : 20
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)

    عندما احتدَّ الخلاف السياسي بين الطيب مصطفى، والرئيس البشير، واستفحلت القطيعة بينهما، خاصة بعد خروج الأول في مظاهرات 2013 الخاصة بزيادة المحروقات، وهي ما عُرفت ب”هبة سبتمبر”، بعد خروج الطيب في المظاهرات تحول الخلاف السياسي بينهما إلى قطيعة حتى على مستوى الأسر، وبدأ التضييق على الرجل من قبل النظام وأجهزته، واُحكم عليه الخناق، فكانت أول خطوة ل(تأديب الطيب مصطفى ) ، أن تم إيقاف صحيفة الإنتباهة، والتي كان شرط استئناف صدورها هو “إبعاد الطيب” من قيادتها، ومن ثم مصادرة الأسهم، وأخيرا منعه من الكتابة..وقد كان شركاؤه الذين ذهبوا لدار المؤتمر الوطني وقابلوا هناك قياديا للإفراج عن صحيفتهم كانوا صريحين مع الطيب مصطفى ، وأبلغوه ان معاودة الصدور مرهونة بإقصائه من رئاسة مجلس الإدارة، فرضخ للأمر الواقع وقدم استقالته على الفور، كي لاتتضرر المؤسسة وصحفييها ومنتسبيها كما قال لي، واخيرًا مُنع من الكتابة بقرار غير مكتوب وبصورة غير مباشرة، ومن ثم مُنع من دخول مقر الصحيفة، وبقية القصة معروفة كما كتبها الطيب مصطفى في سلسلة مقالاته.

    (2)

    ولما استعصى الصمت على مصطفى، وعزّ عليه العكوف بعيدا عن أجواء الكتابة، اتصل على الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات البروفيسور علي شمو، مستفسرًا ما إذا كانت القوانين والظرف السياسي الخاص به وخلافاته مع النظام وإقصائه من الانتباهة تسمح له بإنشاء صحيفة مستقلة، فاخبره البروف شمو بأن القانون يسمح له بإنشاء صحيفة ولا شيء يمنعه من ذلك، وفعلا أنشأ صحيفة الصيحة التي أوكل لي أمرها تماما، وكان لي شرف اختيار رئيس تحريرها ورسم سياسة التحرير واختيار صحافييها.

    كان الراحل متحمسًا لإنشاء الصحيفة، ولكنه لايملك من المال ما يكفي لهذا المشروع، فرهن منزله بكوبر لبنك الخرطوم لإنشاء الصحيفة ، وما ان بدأت الصدور فلم يمضِ على إنشائها سوى 59 يومًا، حتى صدر قرارًا من السلطات الأمنية بإيقافها والتنكيل بصحفييها، واستمر الإيقاف “4” أشهر، وفي تلك الفترة كان الطيب يدفع مرتبات الصحفيين والموظفين والعمال، والحال يضيق يومًا بعد يوم.

    (3)

    بعد أربعة أشهر من الإيقاف، نجحت وساطة من نائب الرئيس بكري حسن صالح الذي كان يحتفظ بشي من الود للطيب مصطفى، ووقتها استقبلت اتصالا من احد الضباط بجهاز الأمن بوصفي رئيس التحرير، أخطرني بأن قرار الإيقاف قد انتهى ويمكننا معاودة الصدور، لكن السلطات الأمنية التي كانت تتلقى تعليماتها مباشرة من الرئيس البشير لم تسمح لنا بالصدور إلا يوما واحدا فقط، وعدنا ثانية إلى قرار الإغلاق، وفي هذا الأثناء ضاق الحال بالطيب مصطفى، وبلغ مبلغًا من الشدة ، لو كان غيره لرضخ لكل شرط، ولاستكان واستسلم خاصة في ظل مغريات كثيرة وإشارات كانت تأتيه من هنا وهناك، وفي ظل ضيق محرج كنت أعلمه يقينًا ، فعمد إلى بيع سيارته الخاصة، واستأجر أخرى، وباع سيارات تخص بعض ابنائه ليقابل بها إلتزامات رواتب الصحافيين، حتى أنهم شعروا بالكرب، فتنازلوا عن نصف الراتب، ومع ذلك لم أجده إلا صابرًا صنديدًا، لم يتزحزح عن مواقفه، لايجزع للنوازل، ولم يتبرم ولايظهر الضيق لأحد ، وكأنه على ثقة تامة بأن الفرج قادم لا محالة.

    (4)

    وفي غمرة الضيق ذاك، كان المشفقون من أهله المقربين، لم يتركوا بابًا إلا طرقوه لإصلاح ذات البين، وإنهاء القطيعة، والسعي لإنهاء قرار إيقاف الصحيفة، لتعتاش منها الأسرة الكبيرة ..في هذه الأثناء حضر مكتبي شخص من الأسرة، وقال لي حرفيًا 🙁 والله يا التاي نحنا عارفين إنو الطيب عندو ليك معزة خاصة ، وبقدرك جدا ، قد يسمع كلامك، نحنا عايزنك تقنعو بس يمشي معانا للرئيس نشرب معاه شاي المغرب في بيتو، والطيب يمشي معانا بس، ومايقول اي كلمة، ولا نحنا زاتو حنقول كلام، فقط نتاول الشاي مع الرئيس ونطلع، تاني الباقي علينا نحنا، وبعدها اعدك الجريدة حتشتغل والأمور كلها تبقى عال العال).. قلتُ في نفسي، دي والله بسيطة، طالما بترجع لينا الجريدة، ونشتغل، وكنت منتظر عودة الطيب مصطفى من منزله لاطرح له المبادرة..

    (5)

    وبعد الظهر جاء الطيب مصطفى مكتبي، وكالعادة، كان يمر عليّ للمؤانسة، والتشاور، فطرحتُ له مبادرة الأهل.. ابتسم ابتسامة عبرت عن كبرياء وصمود، واستخفاف بالشدائد..

    وقال: يا التاي عايزني أنا أمشي ليهو واتوسل عشان يفك لي جريدتي، علي الطلاق ما بمش ليهو .. قلتُ مداعبًا: خلاص الكلام انتهى ، ما بنقدر نطلق مرتين… نواصل

    ….اللهم هذا قسمي فيما املك..

    نبضة اخيرة:

    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.