الأجانب في السودان… بين مقتضيات الأمن القومي وسيادة القانون

  • بتاريخ : 2 أغسطس، 2026 - 12:10 م
  • الزيارات : 3
  • بقلم د. سعاد فقيري

    لم تعد قضية الوجود الأجنبي في السودان مجرد ملف إداري يتعلق بتأشيرات الدخول أو تصاريح الإقامة، بل أصبحت من القضايا المرتبطة بالأمن القومي، والاستقرار الاقتصادي، والتخطيط السكاني، وحماية سوق العمل، وتقديم الخدمات الأساسية. ومع ما مر به السودان من حرب ونزوح وانهيار في كثير من مؤسسات الدولة، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا لوضع سياسة وطنية متكاملة لتنظيم وجود الأجانب وفق القانون.
    إن المطلوب اليوم ليس خطابًا انفعاليًا ولا إجراءات ارتجالية، وإنما لائحة وطنية واضحة، تتولى الجهات المختصة إعدادها وتنفيذها، بحيث توازن بين حماية مصالح السودان والالتزام بالقانون والاتفاقيات الدولية.
    وتبدأ هذه اللائحة بحصر شامل ودقيق لجميع الأجانب الموجودين داخل البلاد، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة تربط بين وزارة الداخلية، وإدارة الجوازات والهجرة، والسلطات العدلية، والأجهزة الأمنية، حتى تصبح الدولة على علم دقيق بمن يدخل ومن يقيم ومن يعمل داخل أراضيها.
    كما ينبغي أن تنظم اللائحة أوضاع الإقامة والعمل، فلا يسمح لأي شخص بمزاولة أي نشاط اقتصادي أو مهني دون تصاريح قانونية، مع منح مهلة لتوفيق الأوضاع، ثم تطبيق القانون بحزم على كل من يخالفه، سواء كان فردًا أو جهة تقوم بتشغيل أو إيواء المخالفين.
    ولا يقل أهمية عن ذلك إحكام الرقابة على الحدود والمعابر الرسمية، وتطوير منظومة مراقبة الدخول والخروج، لأن حماية الحدود تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، وتحد من الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر والتهريب.
    وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تلتزم الدولة باحترام حقوق اللاجئين والمقيمين بصورة قانونية، وأن تُدار جميع الإجراءات وفق القانون، بما يحفظ كرامة الإنسان ويعكس صورة السودان كدولة مؤسسات وعدالة.
    إننا نناشد وزارة الداخلية، ومجلس الوزراء، والجهات العدلية، والأجهزة المختصة، الإسراع في إعداد اللائحة القومية لتنظيم وجود الأجانب في السودان، على أن تكون لائحة عصرية، واضحة، قابلة للتنفيذ، وتحدد المسؤوليات والعقوبات وآليات المتابعة والتقييم.
    فالدول القوية لا تُقاس بعدد من يدخل أراضيها، وإنما بقدرتها على إدارة هذا الملف بكفاءة وعدالة وسيادة قانون. والسودان، وهو يعيد بناء دولته بعد الحرب، يحتاج إلى نظام دقيق ينظم الوجود الأجنبي، ويحفظ أمنه، ويصون موارده، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: دولة القانون، وسيادة النظام، وحماية المصلحة الوطنية.