المهندس الإمام عبد اللطيف يكتب  سلسلة : رؤية لإعادة بناء السودان (3)

  • بتاريخ : 2 أغسطس، 2026 - 10:39 ص
  • الزيارات : 8
  • التعليم… المصنع الحقيقي لبناء الإنسان والدولة

    بقلم: المهندس الإمام عبداللطيف الإمام

    إذا كانت الحروب تهدم الأوطان، فإن الجهل يهدم مستقبلها. وإذا كانت الطرق والجسور والسدود ومحطات الكهرباء والمياه تُشيِّد البنية التحتية للدولة، فإن التعليم هو الذي يبني الإنسان القادر على تخطيط تلك المشروعات، وتنفيذها، وإدارتها، والمحافظة عليها. ولذلك فإن أعظم مشروع وطني ينتظر السودان بعد الحرب ليس مشروعًا عمرانيًا فحسب، بل مشروع بناء الإنسان، لأن الإنسان هو صانع التنمية، وحارس الدولة، ومحرك الاقتصاد.

    وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ الأمم التي خرجت من الحروب والأزمات بإصلاح التعليم قبل أي شيء آخر. فقد أدركت أن الثروة الحقيقية ليست النفط، ولا الذهب، ولا وفرة الموارد، وإنما الإنسان المتعلم القادر على تحويل الإمكانات إلى إنجازات. فالعقول هي الثروة التي لا تنضب، والاستثمار فيها هو الاستثمار الأكثر ربحًا وإستدامة.

    واليوم يقف السودان أمام مرحلة تاريخية فاصلة. فبعد سنوات الحرب والدمار والنزوح، لا يكفي أن نعيد بناء المدن والمرافق، بل يجب أن نعيد بناء العقول، لأن بناء الإنسان هو الضمان الحقيقي لبقاء الدولة واستقرارها ونهضتها.

    قال تعالى:

    *﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (9) الزمر*.

    لقد إختصرت هذه الآية فلسفة الحضارة الإنسانية؛ فالعلم هو بداية النهضة، والجهل هو أصل التخلف، والتعليم هو الجسر الذي تعبر عليه الأمم إلى مستقبلها.

    لقد ظل التعليم السوداني لعقود طويلة مصدر فخر للبلاد، وتخرجت منه أجيال أسهمت في بناء مؤسسات الدولة، وفي نهضة كثير من الدول العربية والأفريقية. وكان المعلم السوداني رمزًا للكفاءة، والجامعة السودانية منارةً للعلم، والمدرسة مصنعًا للقيم قبل أن تكون مكانًا لتلقي المعرفة.

    غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا بسبب الحرب وعدم الإستقرار، فتوقفت الدراسة في مناطق واسعة، ودُمِّرت آلاف المدارس، ونزح ملايين الطلاب، وهاجر آلاف المعلمين. والخطر الحقيقي لا يكمن في خسارة المباني، بل في ضياع جيل كامل من أبناء الوطن، لأن المدرسة يمكن إعادة بنائها، أما السنوات التي تضيع من عمر الطالب فلا يمكن استعادتها.

    ولهذا فإن إعادة إعمار السودان يجب أن تبدأ بإعادة إعمار التعليم، لا بإعتباره قطاعًا خدميًا، بل بإعتباره مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان والدولة.

    والتعليم لا يقتصر على المدارس والجامعات، بل يشمل التربية، وغرس القيم، وتنمية التفكير، وإعداد المواطن المسؤول القادر على العمل والإنتاج وإحترام القانون. فالمدرسة الناجحة لا تُخرِّج حافظًا للمعلومات فحسب، وإنما تُخرِّج إنسانًا يتحلى بالأمانة، والإنضباط، والإتقان، وروح المبادرة، والعمل الجماعي، وهي القيم التي تقوم عليها الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة الحديثة.

    ومن الأخطاء التي وقعت فيها كثير من الدول النامية أنها ربطت النجاح بالشهادة، بينما ربطت الدول المتقدمة النجاح بالمهارة والإبداع والإنتاج. ولذلك فإن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى الأطباء والمهندسين والمحامين، بل يحتاج أيضًا إلى آلاف الفنيين المهرة، والكهربائيين، والسباكين، والحدادين، والنجارين، وفنيي التبريد والتكييف، ومشغلي المعدات، وتقنيي الطاقة والمياه، وخبراء الزراعة والري، فهؤلاء هم الذين سيقودون عملية إعادة الإعمار على أرض الواقع.

    ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني أصبحت ضرورة وطنية، تستوجب إنشاء معاهد تقنية حديثة ومراكز تدريب مهني متطورة في جميع ولايات السودان، ترتبط مباشرة باحتياجات سوق العمل، حتى يتخرج الطالب وهو يمتلك المعرفة والمهارة معًا، وقادر على المساهمة في الإنتاج منذ اليوم الأول.

    كما ينبغي تحديث المناهج لتواكب الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتطورات التقنية المتسارعة، وأن يتحول التعليم من الحفظ والتلقين إلى الفهم، والتحليل، والابتكار، وحل المشكلات. فالعالم يتغير بسرعة، ولا يمكن لأمة أن تنافس وهي تُعلِّم أبناءها بعقلية الأمس ليعيشوا في عالم الغد.

    ولا يقل المعلم أهمية عن المنهج، فهو حجر الزاوية في العملية التعليمية، وصانع الأجيال، ومصدر الإلهام. ولذلك فإن تحسين أوضاع المعلمين، وتأهيلهم المستمر، ومنحهم المكانة التي يستحقونها، ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في مستقبل السودان.

    كما ينبغي أن تتحول الجامعات إلى مراكز للبحث العلمي والابتكار، وأن ترتبط بالصناعة، والزراعة، والطاقة، والمياه، والصحة، حتى تصبح المعرفة أداةً لحل مشكلات المجتمع، وقاطرةً للتنمية الاقتصادية.

    ولا بد أن يصبح التعليم قضية مجتمع بأكمله، تشارك فيها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، لأن بناء الإنسان مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الدولة وحدها.

    لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي استثمرت في الإنسان سبقت غيرها، حتى وإن كانت فقيرة الموارد، بينما تعثرت دول كثيرة رغم ما تملكه من ثروات، لأنها أهملت التعليم. والسودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية شاسعة، ومياه، وثروات معدنية، وثروة حيوانية، وموقع جغرافي متميز، لن يستطيع استثمار هذه المقومات ما لم يمتلك الإنسان المؤهل لإدارتها بكفاءة ونزاهة.

    إن التعليم ليس بندًا في الموازنة العامة، بل هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة، لأنه الاستثمار الذي تتضاعف عوائده جيلًا بعد جيل، ويؤسس لاقتصاد قوي، ومجتمع واعٍ، ومؤسسات راسخة.

    قال تعالى:

    *﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (11) المجادلة*.

    فلنجعل من إعادة بناء التعليم مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا يخضع للخلافات السياسية ولا يتغير بتغير الحكومات، لأن مستقبل السودان يبدأ من الفصل الدراسي، ومن يد المعلم، ومن عقل الطالب.

    *لقد علمتنا تجارب الأمم أن الدول تُبنى بالعلم قبل العمران، وبالإنسان قبل البنيان. فإذا أردنا سودانًا قويًا ومستقرًا، فلنجعل التعليم المشروع الوطني الأول، لأنه الاستثمار الذي لا ينضب، والثروة التي تتضاعف عوائدها جيلًا بعد جيل. فمعركة بناء السودان لن تُحسم بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُحسم أولًا بالكتاب، والقلم، والعلم، والإنسان. فالتعليم هو المصنع الحقيقي الذي تُصنع فيه الأجيال، وتُبنى به الأمم، ويُرسم به مستقبل السودان*