بقلم: دكتور ياسر أحمد إبراهيم
ليست عطبرة مدينةً تُزار، بل تجربةٌ تُعاش. فمن يولد فيها يحمل شيئاً من نبضها أينما ارتحل، فهي المدينة التي علّمت أبناءها أن الوقت قيمة، وأن العمل رسالة، وأن الوطن يُبنى بسواعد المخلصين.
عطبرة… مدينة الحديد والنار، ومدينة الحب والوفاء. هنا لم تكن صفارة ورش السكة الحديد مجرد إعلان لبداية يوم عمل أو نهايته، بل كانت ساعةً تضبط إيقاع الحياة كلها. يستيقظ الناس على موعدها، ويفطرون على موعدها، وينصرفون من أعمالهم على موعدها، حتى غدت الدقة والانضباط جزءاً أصيلاً من شخصية الإنسان العطبراوي.
ومنذ أن اختارها المستعمر مقراً لهيئة السكة الحديد، تحولت عطبرة إلى العاصمة الصناعية للسودان. ففي ورشها العملاقة كانت تُصنع القاطرات وتُصان العربات، وتدور عجلات النجارة والحدادة والميكانيكا والكهرباء، بينما كانت المسابك تنتج قطع الغيار التي أبقت شريان النقل السوداني نابضاً لعقود طويلة. كانت مدينةً تنتج ولا تستهلك، وتبني ولا تنتظر.
ولم تكن السكة الحديد مجرد مؤسسة، بل كانت وطناً مصغراً يحتضن العامل وأسرته. فقد وفرت المستشفيات والمدارس والمراكز الصحية والجمعيات التعاونية، وأنشأت الأندية والساحات والزوايا التي احتضنت أفراح الناس وأتراحهم، فصنعت مجتمعاً متماسكاً قلّ أن تجد له مثيلاً.
وعطبرة هي أيضاً مدينة الثقافة والفن والإبداع. منها صدحت حناجر العمالقة، وفي مقدمتهم الفنان العطبراوي وأبو داؤود، اللذان تركا بصمة خالدة في وجدان السودانيين. وهي كذلك مدينة الرياضة التي أنجبت نجوماً كباراً، منهم الطيب سند وزغبير، فحملت اسمها إلى ميادين المنافسة والبطولات.
ولأنها مدينة العمال، فقد كانت أيضاً مدرسة للنقابات والحركة العمالية، وخرجت منها قيادات وطنية بارزة مثل الحاج عبد الرحمن وعباس الخضر، الذين أسهموا في ترسيخ قيم العدالة والدفاع عن حقوق العاملين، لتصبح عطبرة رمزاً للعمل المنظم والوعي المجتمعي.
وأجمل ما يميز عطبرة أنها كانت صورةً مصغرةً للسودان كله. فقد اجتمع فيها أبناء جميع الأقاليم، وعاش إلى جانبهم الأقباط والشوام والهنود والأتراك وغيرهم، في نموذج فريد للتعايش والتسامح، حيث لم تكن الأعراق ولا الديانات سبباً للفرقة، بل كانت مصدر ثراءٍ ثقافي وإنساني.
لهذا كله، لم تكن عطبرة مجرد محطة للقطارات، بل كانت محطةً لصناعة الرجال، ومدرسةً في الانضباط، ومنارةً للعمل والإنتاج، ومدينةً كتبت اسمها في تاريخ السودان بحروفٍ من فولاذ.
وستظل عطبرة، مهما تبدلت الأزمنة، مدينةً إذا ذُكرت السكة الحديد ذُكرت، وإذا ذُكر الانضباط حضرت، وإذا ذُكر السودان الجميل كانت في مقدمة المشهد… مدينةً صنعت الزمن، قبل أن تصنع القطارات











إرسال تعليق