السودان يتصدر الدول العربية في عبء الدين.. كيف تحوّلت الحرب إلى أزمة ملاءة لا سيولة؟

  • بتاريخ : 1 أغسطس، 2026 - 9:47 م
  • الزيارات : 17
  • عمر سيد احمد

    باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل

    Email:o.sidahmed09@gmail.com

    1 أغسطس 2026

    أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن السودان تصدّر الدول العربية في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، وهو مؤشر لا يعكس مجرد رقم إحصائي، بل يختصر حجم الانهيار الذي أصاب الاقتصاد السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023: انكماش حاد في الإنتاج، وتراجع الإيرادات العامة، وشلل شبه كامل للجهاز المصرفي.

    رقم صادم.. لكن ماذا يعني فعليًا؟

    تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي في السودان لا تزال مرتفعة للغاية، إذ تقارب 169% في عام 2026. للمقارنة، لا يتجاوز متوسط هذه النسبة في منطقة الشرق الأوسط ككل نحو 45%، أي أن عبء الدين السوداني يقارب أربعة أضعاف متوسط دول المنطقة. وتشير بعض قواعد البيانات الاقتصادية الأخرى إلى أرقام أعلى بكثير قد تتجاوز 250%، تبعًا لاختلاف طرق تقدير قيمة الناتج المحلي بالدولار في ظل انهيار الجنيه وتعدد أسعار الصرف الفعلية داخل البلاد.

    لكن الأهم من الرقم نفسه هو فهم مصدره: ارتفاع النسبة لا يعني بالضرورة أن الحكومة اقترضت خلال الحرب مبالغ جديدة ضخمة. الأرجح أنه نتيجة تفاعل بين عاملين: بقاء رصيد كبير من الديون الخارجية والمتأخرات المتراكمة منذ عقود، وانكماش حاد في الناتج المحلي منذ 2023. فعندما يتقلص الاقتصاد وتتراجع القيمة الدولارية لناتجه، ترتفع نسبة الدين إلى الناتج تلقائيًا حتى لو ظل رصيد الدين شبه ثابت بالقيمة الاسمية.

    والواقع أن الدين السوداني كان أصلًا غير قابل للاستدامة قبل الحرب بسنوات؛ فقد وصفه صندوق النقد الدولي بأنه كان يتجاوز 150% من الناتج المحلي، ويتكوّن في معظمه من متأخرات وفوائد وغرامات تراكمية، لا من أموال جديدة استخدمتها الدولة فعليًا في التنمية. وقُدّر الدين الخارجي قبل بدء أي مسار للإعفاء بنحو 56 مليار دولار.

    أزمة ملاءة، لا أزمة سيولة

    المقياس الأكثر دلالة من نسبة الدين إلى الناتج وحدها هو مقارنة الدين بحجم الصادرات والإيرادات والاحتياطيات الأجنبية. وهنا تكمن خطورة الوضع السوداني: أشار صندوق النقد إلى أن الدين كان يزيد على عشرة أضعاف الصادرات، وهو ما يعني أن الأزمة ليست مجرد ضائقة سيولة مؤقتة يمكن تجاوزها بإعادة جدولة بسيطة، بل أزمة ملاءة بنيوية عميقة تمس القدرة الأساسية للدولة على السداد. وترتفع النسبة أيضًا بفعل انخفاض قيمة الجنيه، الذي يرفع بدوره القيمة المحلية للديون المقوّمة بالدولار والعملات الأجنبية.

    بنوك خرجت من الحرب بلا وظيفة

    لم تكن الأزمة المصرفية وليدة الحرب وحدها. فقبل أبريل 2023 كانت غالبية المصارف السودانية تعاني أصلًا من ضعف هيكلي وتآكل تدريجي في رؤوس أموالها، ما جعل أغلبها غير ملتزم بمعايير كفاية رأس المال وفق مقررات لجنة بازل الدولية، فضلًا عن ضعف قاعدة موجوداتها وارتفاع ديونها المتعثرة الموروثة من سنوات العزلة المالية الدولية. وكان الشمول المالي أصلًا في أدنى مستوياته: 15% فقط من البالغين كانوا يملكون حسابات مصرفية قبل الحرب، ما يعني أن الجهاز المصرفي لم يكن أصلًا يخدم سوى شريحة ضيقة من الاقتصاد.

    هذه الهشاشة السابقة تفسر لماذا كانت صدمة الحرب مدمرة بهذا الحجم. فقد فقدت بنوك كثيرة إمكانية الوصول إلى عملائها وضماناتها وسجلاتها في مناطق واسعة، وانتقلت إدارات عدد منها إلى مدن أخرى بينما ظلت أصولها وقروضها موزعة بين مناطق خاضعة لسلطات عسكرية مختلفة. وتعرض أكثر من 100 فرع مصرفي للنهب والتدمير، وانتُهبت أكثر من 38% من الأموال في مصارف الخرطوم وحدها، بينما برز انقسام نقدي فعلي داخل البلد الواحد مع ظهور كتلة نقدية موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

    والنتيجة أن التمويل المتاح، حين يوجد، أصبح قصير الأجل ومرتفع المخاطر والتكلفة، ويتجه غالبًا إلى التجارة السريعة أو الأنشطة المرتبطة بالحرب بدلًا من القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل. تحوّل الجهاز المصرفي عمليًا من مؤسسة يُفترض أن تموّل الاقتصاد إلى قطاع يسعى فقط للمحافظة على بقائه التشغيلي.

    حلقة مفرغة: الإنتاج والإيرادات والدين

    تراجع الإنتاج يعني تراجع الأرباح والدخول، ومن ثم انخفاض حصيلة الضرائب والجمارك، بينما ترتفع في المقابل احتياجات الحكومة للإنفاق العسكري والأمني والإغاثي، فيتسع العجز المالي. وفي غياب تمويل خارجي ميسّر، يزداد الاعتماد على إصدار النقود مباشرة أو عبر الاقتراض من البنك المركزي، فترتفع السيولة النقدية دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات، ويتصاعد التضخم وينخفض سعر الصرف، وهو ما يرفع بدوره تكلفة خدمة الدين الخارجي محليًا، فتزداد الانكماش وتراجع الإيرادات من جديد.

    وإذا أُجبرت البنوك على تمويل الحكومة عبر شراء الأوراق الحكومية، فإن ذلك يزاحم القطاع الخاص ويستنزف سيولة كان يمكن توجيهها للزراعة والصناعة، كما يؤدي في بيئة تضخمية إلى تآكل القيمة الحقيقية لأصول البنوك. بهذا الشكل تنتقل أزمة المالية العامة إلى النظام المصرفي، والعكس صحيح. فارتفاع الدين، إذن، ليس ظاهرة منفصلة، بل النتيجة المحاسبية لانهيار أوسع أصاب الإنتاج والإيرادات والنظام المصرفي وسعر الصرف ومؤسسات الدولة معًا.

    هل من مخرج؟

    يكاد يجمع المتابعون للملف الاقتصادي السوداني على أن وقف الحرب واستعادة سلطة مدنية شرعية وموحدة هو الشرط الأول لأي معالجة حقيقية؛ فلا توجد معالجة فنية مستدامة للدين أو إصلاح مصرفي جاد في ظل استمرار النزاع وتعدد السلطات وغياب الرقابة على الإنفاق العسكري.

    بعد ذلك، تبرز مسارات محددة: مراجعة شاملة وشفافة لحجم الدين الحقيقي، وإعادة تنشيط مسار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) الذي بلغ نقطة القرار في يونيو 2021 قبل أن يعطّله الانقلاب ثم الحرب، وكان من المفترض أن يخفّض الدين من 56 مليار دولار إلى نحو 6 مليارات دولار فقط عند نقطة الإكمال. إلى جانب ذلك، إصلاح مصرفي هيكلي يشمل تقييم جودة الأصول وإعادة الرسملة وتوحيد نظام المدفوعات، وانضباط مالي يقطع الطريق على تمويل العجز بطباعة النقود، وتوسيع القاعدة الإنتاجية بدلًا من الاكتفاء بالتقشف، وأخيرًا تهيئة بيئة قانونية وشفافة قادرة على جذب تمويل ميسّر طويل الأجل بدلًا من قروض تجارية جديدة تُثقل كاهل بلد لم يخرج بعد من أزمة ديونه القديمة.

    فالدين، في الحالة السودانية، عرضٌ لأزمة الدولة والاقتصاد ككل، ولن يصبح قابلاً للاستدامة إلا حين يصبح السودان نفسه مستقرًا وقادرًا على الإنتاج والتصدير وتعبئة موارده بشفافية.

     

    ملاحظة منهجية: تُستخدم في هذا المقال تقديرات صندوق النقد الدولي الواردة في قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي (WEO)، وينبغي التعامل معها بوصفها تقديرات وليست بيانات نهائية مدققة؛ إذ تعطلت عمليات جمع الإحصاءات الرسمية إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب، ولم يُجرِ الصندوق مشاورات المادة الرابعة مع السودان منذ عام 2020. وهذا لا يقلل من موثوقية هذه الأرقام كأفضل تقدير دولي متاح، لكنه يستدعي وصفها بدقة بأنها “تقديرات صندوق النقد” لا أرقامًا قطعية.

     

    المصادر

     

     

    سكاي نيوز عربية (فيديو): https://www.skynewsarabia.com/video/1883638-صندوق-النقد-السودان-يتصدر-الدول-العربية-عبء-الدين-العام

    موقع “sna business”: https://www.snabusiness.com/article/1883595-السودان-يتصدر-الدول-العربية-عبء-الدين-العام

     

    بخصوص بيانات صندوق النقد الدولي نفسها (WEO): هذه ليست تقريرًا واحدًا بتاريخ محدد ورابط مباشر، بل قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي (World Economic Outlook) التي يحدّثها الصندوق دوريًا (عادة إصداران سنويًا، أبريل وأكتوبر)، ويمكن الوصول إليها عبر:

    https://www.imf.org/en/Publications/WEO