بقلم/ بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
اثارني مقال لدكتور الحاج عبد الرحمن الحاج موسى، قريبي وابن الكوة بعنوان (صدى المدى… منصور محجوب.. ابن الكوة، الخبير المحنَّك والاقتصادي الفذّ! ). سلط المقال الضوء على السيرة المهنية للخبير الاقتصادي منصور محجوب، ابن مدينة الكوة، باعتباره أحد أبرز رواد الاقتصاد والمحاسبة في السودان. ويؤكد أن مكانته المهنية سبقت تقلده المناصب الوزارية، إذ كان أول محاسب قانوني سوداني يجتاز امتحان جمعية المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز عام 1951، مما شكل محطة رائدة في تاريخ مهنة المحاسبة بالسودان.وتناول المقال أبرز محطات مسيرته، حيث شغل منصب المحافظ المناوب للسودان لدى صندوق النقد الدولي، ثم تولى إدارة وزارة التجارة والصناعة والتموين، وأسهم في تطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين. وفي عام 1969 عُين وزيرا للخزانة، ثم وزيرا للاقتصاد والتجارة والتموين عام 1970، كما قاد وفد الصداقة الحكومي السوداني إلى الصين، حيث شهدت الزيارة توقيع أول اتفاقية للمساعدات الاقتصادية بين البلدين. وخلص المقال إلى أن منصور محجوب كان نموذجًا للكفاءة المهنية والخبرة الاقتصادية، إذ جمع بين التميز في المحاسبة، والإدارة المالية، والسياسات الاقتصادية، والعلاقات الاقتصادية الدولية. ويرى الكاتب أن إرثه الحقيقي لا يتمثل في المناصب التي شغلها، بل في إسهاماته الرائدة في بناء المؤسسات الاقتصادية السودانية وتمثيل السودان في المحافل المالية الدولية، مما جعله أحد أبرز الشخصيات الاقتصادية في تاريخ السودان الحديث. ولكن المقال نسي ان يذكر ان الراحل منصور محجوب كان ايضا عضوا فاعلا في مجلس ادارة جامعه الخرطوم لسنوات طويله حتى قبل وفاته بفترة قصيره.
جمعتني بالراحل، الخال منصور محجوب، لقاءات عديدة اغلبها خلال سنوات اغترابي في سلطنة عمان لنحو ١٥ عاما. وكنت أحرص في كل إجازة على زيارته بمنزله العامر بشارع الجمهورية، حيث نجلس لساعات طويلة على انفراد، وهو يدخن غليونه الذي ارتبط بشخصيته وأصبح جزءا من حضوره المميز. وكان يستقبلني دائما بترحاب بالغ وبابتسامه تنم عن تقدير وبشاشه عرف بها، ويغمرني بكرم حديثه وسعة معارفه، وكنت اجلس معه مستمعا جيدا اطرق عليه السؤال ويغمرني بالاجابات التفصيليه وبعمق وذاكره قويه وسلاسه في الحديث والسرد لم املها يوما واحدا. ولم أكن أعلم آنذاك مقدار تقديره لي، حتى أخبرني أحد أقاربي، بعد سنوات طويله من تلك اللقاءات، بأنه كان يردد في أكثر من مناسبة قوله بالحرف الواحد: “الولد دا – و يقصدني – ماشي في طريقي، والولد دا عصامي وسيكون له مستقبل باهر”. وأعاد إلى ذاكرتي هذا الموقف شهادة أخرى وصلتني بعد رحيل طيب الذكر بروفيسور محمد هاشم عوض، عميد الاقتصاديين السودانيين وأحد أبرز أساتذتهم، الذي تشرفت بأن يكون مشرفا على رسالة التخرج بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم وبالعمل معه أستاذا بجامعة الخرطوم بعد ذلك، وكانت تربطني به علاقة علمية وإنسانية واخويه وثيقة توطدت بزياراتي الراتبه لمنزله للحديث حول مسارات وسياسات الاقتصاد السوداني. فانا خريج مدرسته الفكريه ومدرسه منصوؤ محجوب العمليه. فقد أخبرني عدد من طلاب بروفيسور محمد هاشم عوض أنه كان يقول لهم خلال محاضراته إنني خليفته في الاقتصاد السوداني. ولا أورد هاتين الشهادتين من باب الاعتزاز الشخصي الذي لا احبذه، وإنما لأنهما صدرتا عن علمين من أعلام الفكر والاقتصاد في السودان، عرفا بالدقة والصرامة في تقييم الرجال، ولم يكونا ممن يوزعون الثناء أو يطلقون الأحكام جزافا. ولذلك ظلتا من أعز ما أحتفظ به في ذاكرتي وكانتا دافعا لي لكيلا أخزلهما، ومن أكثر ما أشعرني بالمسؤولية لمواصلة طريق العلم وخدمة الوط بتجؤد ومهنيه، والسعي إلى أن أكون على قدر الثقة التي أولاها لي هذان العلمان الجليلان.
وكان يسعد منصور محجوب بهذه اللقاءات الفرديه السنويه ويعطيها الوقت الكافي امتد لساعات طويلة. كان حديثنا يبدأ عادة من مدينة الكوة، تاريخها، وأنسابها، وأسرها، وهو الذي كان مرجعا لا يجارى في هذا المجال. كما كان يحدثني كثيرا عن والدي، رحمه الله، صديقه الوفى وقريبه الذي زامله صرافا بوزارة الماليه انذاك، مستعيدا سيرته، ومواقفه، وفضائله، وما قدمه من أعمال جليلة، وهو ما كان يسعدني ويزيد من تقديري لهذا الرجل الذي جمع بين العلم والوفاء. وله معي قصص اخرى سافرد لها مقالا اخر لاحقا.
خلال تلك اللقاءات، روى لي منصور محجوب مواقف اقتصادية مهمة، وكان يوصيني دائما بألا أكتبها، قائلا بابتسامته البريئة المعهودة: “أنتم أساتذة الجامعة أيديكم خفيفة في الكتابة.” واحتراما لرغبته التزمت الصمت سنوات طويلة، لكن بعد رحيله، رحمه الله، أرى أن من حق التاريخ أن تروى هذه الشهادات، خاصة وأن صاحبها قد رحل، وبقيت الدروس والعبر ليتعلم منها الجميع.
الرواية الأولى: صندوق النقد الدولي والجنيه السوداني.
حكى لي أنه في بداية عهد مايو، عندما كان وزيرا للخزانة في اول تشكيله وزاريه، زار السودان وفد من صندوق النقد الدولي. وقال إن الجنيه السوداني في ذلك الوقت كان يعادل أكثر من ثلاثة دولارات أمريكية، وكان السودان يحقق فوائض في الميزان التجاري وميزان المدفوعات. وأضاف أن وفد الصندوق طلب منه تخفيض قيمة الجنيه السوداني بحجة تشجيع الصادرات والحد من الواردات. إلا أنه رد عليهم بأن السودان لا يعاني أصلا من عجز في الميزان التجاري أو ميزان المدفوعات، وأن المنطق الاقتصادي لا يبرر تخفيض العملة في ظل وجود فوائض. واحتدم النقاش بين الطرفين، حتى أصر وفد الصندوق على موقفه، بينما تمسك هو برأيه، وانتهى الأمر – كما روى لي – بطرد الوفد من مكتبه. وقد ظلت هذه الواقعة تستوقفني كثيرا منذ روايتها لي. فبعد سنوات طويلة، وجدت أن الصندوق ظل يقدم الوصفة نفسها للدول التي تعاني عجزا في موازينها الخارجية والداخليه، كما قدمها للسودان عندما كان يحقق فوائض خارجيه. وتساءلت بيني وبين نفسي: كيف يمكن أن تكون الوصفة نفسها مناسبة لحالتين اقتصاديتين متناقضتين؟ وهل كان الهدف من اقتراح تخفيض سعر الصرف في السودان اقتصاديا بحتا، أم أن وراءه اعتبارات أخرى؟ إنه سؤال يظل مشروعا للنقاش والبحث ويضعف مصداقية روشتة صندوق النقد الدولي التي تقدم كحل لحالتين متناقضتين.
الرواية الثانية: كيف جاءت قاعة الصداقة؟
أما الرواية الثانية، فهي تتعلق ببداية عهد مايو، عندما كانت الخزانة العامة تعاني أوضاعا مالية صعبة. وبحكم توجه النظام آنذاك نحو المعسكر الشرقي، توجه الرئيس جعفر نميري إلى الاتحاد السوفيتي على رأس وفد كان منصور محجوب أحد أعضائه، أملا في الحصول على دعم مالي عاجل. غير أن الجانب السوفيتي أوضح أن ما يمكن تقديمه هو مساعدات تنموية، مثل الجرارات والمعدات الزراعية، وليس دعما ماليا مباشرا. ويقول منصور إن ذلك أغضب الرئيس نميري، الذي أنهى الاجتماع وعاد إلى مقر إقامته. وبعد تفكير، تولدت لديه فكرة جديدة. قصد الرئيس في غرفته، وانتظر طويلا وهو يطرق الباب، إذ كان واضحا أن الغضب لا يزال مسيطرا عليه. وبعد أن أذن له بالدخول، اقترح عليه أن يطلب من السفير السوداني في الصين ترتيب زيارة عاجلة إلى بكين، معربا عن ثقته بأن القيادة الصينية ستتفهم احتياجات السودان بصورة أفضل. اقتنع الرئيس بالفكرة، وتحول مسار الوفد إلى الصين مباشرة من موسكو، حيث استغرقت الزيارة قرابة شهر كامل، بدأت بجولات ميدانية واسعة للتعرف على التجربة الزراعية الصينية باستخدام طائرة خاصة. وبعد انتهاء الزيارات، بدأت المباحثات الرسمية. وفي مستهلها، أعلن الجانب الصيني أنه سيقدم هدية إلى السودان تعبيرا عن تقديره لهذه الزيارة، وكانت تلك الهدية هي قاعة الصداقة بالخرطوم. أورد هذه الرواية لأن كثيرا من السودانيين قد لا يعلمون أن فكرة التوجه إلى الصين في تلك اللحظة المفصلية، والتي أفضت إلى هذا الإنجاز التاريخي، كانت – بحسب ما رواه لي منصور محجوب – من اقتراحه الشخصي.
رحم الله الأستاذ منصور محجوب، ابن الكوة البار، وأحد أبرز رجالات الاقتصاد السوداني الذي تعلمت على يديه كثير من الحكم وكيفية اداة الشان الاقتصادي، والذي ترك بصمات عميقة في الإدارة الاقتصادية، وأسهم بعلمه وخبرته في خدمة وطنه، وظلت أعماله شاهدة على عطائه حتى اليوم.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.











إرسال تعليق