إن أريد إلا الإصلاح!|| محجوب مدني محجوب
درج الناس إلى معرفة العيادات النفسية الاجتماعية، فما من مريض يعاني من علة نفسية إلا ويساق إلى عيادة نفسية.
يبدأ الطبيب في ربط علاج المريض نفسيا بحياته الاجتماعية سواء من حيث ربطها بطفولته او نشأته أو ما تعرض عليه من صدمات عاطفية أو مادية أو جسدية
كذلك ينظر الطبيب إلى علاقة هذا المريض بأسرته الصغيرة والممتدة، كما ينظر إلى علاقته بما حوله، وبما تعرض له من أحداث لم يكن ليتحملها؛ ليربط كل هذه المعلومات بعلاجه وشفائه من علته النفسية.
فالشاهد هنا أن ثمة علاقة وثيقة بين المريض النفسي وبين مجتمعه.
علاقة بمثابة المفتاح الذي يدل الطبيب لاكتشاف أزمة المريض، ومن ثم العمل على علاجها.
تم الاكتشاف كذلك إزاء الأزمات السياسية أن أصحابها يتعرضون لصدمات نفسية حادة تصغر هذه الصدمات وتعظم حسب حالة المريض.
إذ أن النتيجة الطبيعية إزاء أي فشل أو انهيار مشروع سياسي هو تقبل هذا الفشل كأي عمل إنساني، ومن ثم العمل على اكتشاف أسباب الفشل، ومن ثم العمل على معالجته بصورة موضوعية وعملية.
إلا أنه ونسبة لضعف البعض، فقد يقابل هؤلاء المنتسبين للمشاريع السياسية فشل مشروعهم السياسي بحالة أشبه بحالة المرضى النفسيين يحتاجون معها لجلسات نفسية، ومعالجات تخرجهم من هذه الصدمة التي لم يستطيعوا تحملها..
صدمة في قدواتهم السياسية، والذين تفاجؤوا بأنهم ليسوا على قدر التحدي، وليسوا مؤهلين، واكتشفوا بأن هذه القدوات أبعد ما تكون عن مشروعهم السياسي.
فإزاء هذه الصدمة تكون ردة فعل هؤلاء في غاية الدمار والهلاك.
حالة أشبه بالحالة النفسية التي يتعرض لها الفرد إزاء مجتمعه.
ومن الحالات النفسية المدمرة التي يقع فيها المنتسبون سياسيا نتيجة لانهيار مشروعهم السياسي:
* الكفر بمشروعهم وبأي مشروع سياسي؛ ليرسخ في ذهنهم بأن المشاريع السياسية ما هي إلا خرافة من الخرافات ليس لها علاقة بالواقع.
* يرسخ في ذهنهم أنه ليس هناك ثمة قدوة، وأن هذا الإنسان أي إنسان ما هو إلا شيطان في صورة بشر ، ولا يوجد ثمة شخص يمكن أن يتم الوثوق به أو أنه يمكن أن يكون صاحب مبدأ يوما ما اللهم إلا الأنبياء عليهم السلام والصحابة رضوان الله عليهم، وهؤلاء خارج القياس ولن يتكرروا.
ويبدأ يقلل هذا المريض سياسيا من قيمة كل من بزغ نوره أو كان زعيما يوما ما.
ويبدأ البحث عن أي تجاه يعمل على تكذيب وخدعة هذه القصص والسير التي تروج لأعمال وأصحاب مشاريع ناجحة.
* التحول بالكامل إلى المشاريع المناهضة لمشروعه السياسي الذي فشل، ويبدي إعجابا بها لا بسبب قناعاته بها، وإنما بسبب إحباطه الذي تحول لشبه حالة نفسية.
* الإصرار والتمسك بالأخطاء التي أدت إلى فشل مشروعه السياسي، وذلك باعتبار أنه ليس ثمة مشروع بلا أخطاء، وليس،ثمة مشروع أفضل من مشروعه، وأن من يحاسبه على أخطاء مشروعه السياسي إما عدو أو واهم.
* الانصراف إلى قضايا انصرافية، وتهويلها، وإبداء اهتمام بها كعوض وبديل لذلك المشروع السياسي الذي فشل.
وهكذا تتباين الحالات النفسية لمنتسبي المشاريع السياسية الفاشلة حسب حالة المريض السياسية، وحسب موقعه من مشروعه السياسي للدرجة التي يمكن أن يعتزل هذا المريض الناس سياسيا، وييتعد عن مقابلة أي شخص يمكن أن يذكره بعمله السياسي الذي فشل.
إن هذه الحالات النفسية السياسية كثيرة بكثرة المنتسبين للمشاريع السياسية الفاشلة ؛ لذلك لا بد من إنشاء عيادات خاصة لمرضى العمل السياسي تخرجهم من هذه الحالة التي ألمت بهم بسبب فشل مشروعهم السياسي.
حالة نفسية فجأة اكتشفت أنها بدلا من أن تكون في أعلى القمة وجدت نفسها في الحضيض.
حالة شاهدت بأم عينيها أن الناس يتبرؤون وينفون انتسابهم إليها بعد أن كانت تملأ الأفق بوجودها
حالة في أمس الحوجة لعيادات نفسية سياسية.
تخصص هذه العيادات السياسية من قبل الحزب أو من قبل الجماعة أو من قبل الدولة أو من قبل أي جماعات مرتبطة بالعمل السياسي.
تعنى هذه العيادات بإنشاء دورات لهؤلاء المنتسبين للمشاريع السياسية التي فشلت.
لتعمل هذه العيادات على علاج هؤلاء المرضى السياسيين من خلال خبراء في السياسة والتاريخ، وذلك من أجل:
* حماية المشروع السياسي من الانقراض إذ أن بتحول منتسبي المشروع السياسي إلى مرضى، فلن يكون هناك ثمة مشروع.
* حماية هؤلاء الأشخاص من تبني أفكار ومعتقدات مناهضة لمشروعهم السياسي، وذلك كردة فعل إزاء مشروعهم السياسي الذي فشل.
* تدريبهم على الاعتراف بالخطأ، وأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
* تدريبهم على أن فقد الأمل والانصدام في القدوات لا يعني بالضرورة انعدامها، فالخيرون والصالحون إلى قيام الساعة.
* تدريبهم على نقد الذات، وعلى تقييم التجربة بدلا من الهجوم على الآخرين، وبدلا من خلق أعداء يعلقون عليهم الفشل.
* عدم معاداة من أخفق وفشل، فهذه سنة الحياة، وهذه طبيعة الإنسان.
وبمثل ما للطبيب النفسي الاجتماعي من أدوات وأمثلة وحقائق وطرق ينشل بها مرضاه من الحالة النفسية الاجتماعية المدمرة التي وقعوا فيها.
كذلك للطبيب النفسي السياسي ينبغي أن تكون له أدوات وأمثلة وحقائق وطرق ينشل بها مرضاه السياسيين من الحالة النفسية التي وقعوا فيها.
وذلك من أجل أن يتماثل مرضاه للشفاء من جهة.
ومن أجل أن يحمي العمل السياسي منهم، ومن خطر امراضهم من جهة أخرى.











إرسال تعليق