ثلاثة أعوامٍ مضت، لكن الحنين لم يعرف الغياب. واليوم، وأنا أشق الطريق إلى أبو حمد، أشعر أنني لا أعود إلى مدينة فحسب، بل أعود إلى صفحةٍ مضيئة من العمر، وإلى الأرض التي حفظت أولى الخطوات، واحتضنت ذكريات الآباء والأجداد.
هنا… حيث ينحني النيل في مهابةٍ وجلال، كأنه يعانق ضفتيه بحنانٍ أبدي، وحيث تمتزج زرقة الماء بصفرة الرمال، فتولد لوحةٌ لا يرسمها إلا الخالق سبحانه وتعالى.
أبو حمد… أرض الذهب، وأكبر محليات السودان إنتاجًا له، لكنها تعلمنا أن الذهب الحقيقي ليس ما يُستخرج من باطن الأرض، بل ما تنبته الأرض من خير، وما يزرعه أهلها من كرمٍ وأصالة. فعلى ضفاف النيل الخالد تمتد الجنائن الخضراء، تتمايل فيها النخيل، وتتدلى عراجين التمور، وتفوح رائحة المانجو والخضر والفواكه، في مشهدٍ تختلط فيه بركة النهر بعطاء الإنسان.
وفي أحضانها تستريح الجزر النيلية، شامخةً بجمالها، تتقدمها جزيرة مقرات، إحدى أكبر جزر السودان، وأرضٌ ارتبط اسمها بالصالحين، فكانت موئلًا للعلم والورع، وواحةً للسكينة والسلام.
ما أجمل أن يعود الإنسان إلى جذوره، ليوقن أن للأماكن أرواحًا، وأن للوطن ذاكرةً لا يطويها الزمن. فمهما ابتعدت بنا الطرق، يبقى الحنين إلى الأرض الأولى وعدًا لا يخلف موعده، وتبقى العودة إليها ميلادًا جديدًا للروح.
إلى أبو حمد… سلامٌ يليق بمقامها، وسلامٌ لأهلها الطيبين، وسلامٌ لكل شبرٍ من أرض السودان التي لا تزيدها الأيام إلا رسوخًا في القلب، ولا يزيدها الغياب إلا حضورًا في الوجدان.
د. ياسر أحمد إبراهيم











إرسال تعليق