حين يصمت الكتاب يرتفع ضجيج الجهل

  • بتاريخ : 31 يوليو، 2026 - 6:31 ص
  • الزيارات : 30
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق- المحامي والمستشار القانوني

    كتب الأديب الكبير عباس محمود العقاد: “اقرأ كتابًا جيدًا ثلاث مرات، أنفع لك من أن تقرأ ثلاثة كتب جيدة.” وفي هذه الكلمات تتجلى حقيقة الثقافة؛ فهي ليست كثرة ما نقرأ، وإنما عمق ما نفهم، وكيف يتحول العلم إلى وعي، والمعرفة إلى سلوك، والفكرة إلى عمل.

    لقد كانت الحضارات الكبرى تبدأ من كلمة، وتنمو حول كتاب، وتزدهر بعقول آمنت بأن الإنسان هو أغلى ثروة تملكها الأمم. ولم يكن أول ما نزل من القرآن الكريم أمرًا بالقتال أو التجارة أو السياسة، وإنما كان قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وكأن الرسالة الخالدة أرادت أن تؤكد أن طريق العمران يبدأ من المعرفة.

    والثقافة ليست حشدًا للمعلومات، ولا ترفًا يمارسه الصفوة، وإنما هي القدرة على رؤية الأشياء بعيون العقل، والاستماع إلى الرأي الآخر بأدب، واحترام الاختلاف دون خصومة، والبحث عن الحقيقة دون تعصب.

    لقد تغيّر العالم كثيرًا، وأصبحت الهواتف الذكية تحمل بين أيدينا مكتبات لا تنتهي، لكن المفارقة المؤلمة أن وفرة المعرفة لم تُنتج بالضرورة وفرة في الوعي. فكثير من الناس يقرأ العناوين ولا يقرأ الأفكار، ويتداول الأخبار قبل التحقق منها، ويستبدل الحوار بالصخب، والتأمل بردود الأفعال السريعة.

    إن المجتمعات التي تهمل الثقافة لا تفقد كتبها فقط، بل تفقد قدرتها على التفكير، ويصبح من السهل أن تقودها الشائعة، أو يفرقها التعصب، أو يستهلكها الجدل العقيم. أما المجتمع الذي يقرأ، فإنه يبني حصانة فكرية تحميه من التضليل، وتجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

    وليس المقصود بالثقافة أن يتحول كل إنسان إلى أديب أو مؤرخ، وإنما أن يحمل كل فرد نصيبًا من المعرفة يجعله أكثر وعيًا بنفسه، وأكثر احترامًا لغيره، وأكثر إسهامًا في خدمة وطنه.

    إن مسؤولية إحياء الثقافة تبدأ من البيت، حين يرى الطفل كتابًا في يد والده قبل أن يرى الهاتف، وتكبر في المدرسة حين يصبح السؤال فضيلة لا خطأ، وتتجسد في الإعلام عندما يقدم الفكر الراقي على الإثارة العابرة، وتترسخ في المجتمع عندما يصبح تكريم العلماء والمبدعين عادة لا استثناء.

    ولعل أخطر ما تواجهه أمتنا اليوم ليس نقص الموارد، بل نقص الوعي. فالمال يعوض، والمباني تُشيَّد من جديد، أما إذا انهارت منظومة الثقافة، فإن إعادة بناء الإنسان تصبح المهمة الأصعب.

    فلنحمل جميعًا شعلة الثقافة، ولنجعل الكتاب رفيقًا، والحوار منهجًا، والعلم قيمة، لأن الأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات، بل بما تملك من عقول مستنيرة، وضمائر حية، وإنسان يعرف أن الكلمة الصادقة قد تبني وطنًا، وأن الثقافة كانت وستظل الطريق الأقصر إلى نهضة الشعوب.