بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
ليست قيمة المبادرات الوطنية فيما تنجزه في يوم انطلاقها، وإنما فيما تتركه من أثر في العقول، وما تغرسه من قيم في النفوس، وما تفتحه من آفاق للمستقبل. ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرة محلية الدندر بزراعة عشرة آلاف شجرة تخليدًا لشهداء معركة الكرامة، ليس بوصفها حملةً محليةً فحسب، بل بوصفها بدايةً لرحلةٍ وطنيةٍ يمكن أن تمتد إلى كل ولايات السودان، عنوانها أن البناء يبدأ من غرس شجرة.
لقد اعتدنا أن ترتبط الحروب بصور الدمار والخراب، لكن الشعوب الحية هي التي تعرف كيف تحوّل آلامها إلى طاقة للبناء، وتحوّل تضحيات أبنائها إلى مشاريع تنموية تبقى آثارها لعشرات السنين. وهذا ما فعلته الدندر، حين اختارت أن يكون الوفاء للشهداء عملاً يثمر، لا مجرد كلمات تُقال أو احتفالات تنتهي بانتهاء المناسبة.
إن أجمل ما في هذه المبادرة أنها جمعت كل مكونات المجتمع؛ الحكومة، والقوات النظامية، والإدارة الأهلية، والشباب، والطلاب، ومنظمات المجتمع المدني، والمتطوعين، في مشهد يعكس وحدة الهدف، ويؤكد أن بناء السودان مسؤولية جماعية لا تنجح إلا بتكاتف الجميع.
ولم يكن اختيار الدندر لهذا المشروع من قبيل المصادفة، فهي مدينة ارتبط اسمها بالطبيعة، وتحتضن واحدة من أهم المحميات القومية في إفريقيا، وتمثل رئةً خضراء للسودان بما تمتلكه من تنوع نباتي وحيوي فريد. ومن هنا، فإن كل شجرة تُغرس فيها هي إضافة إلى رصيد السودان البيئي، ورسالة بأن المحافظة على الطبيعة جزء أصيل من المحافظة على الوطن.
إن العالم اليوم ينظر إلى التشجير باعتباره استثمارًا استراتيجيًا، لا مجرد نشاط بيئي. فالشجرة تحمي التربة من الانجراف، وتحد من التصحر، وتلطّف المناخ، وتمتص الكربون، وتسهم في زيادة التنوع الحيوي، كما توفر موارد اقتصادية من الأخشاب والثمار والصمغ والأعلاف. ولهذا أصبحت زيادة الغطاء النباتي أحد مؤشرات تقدم الدول وحسن إدارتها لمواردها الطبيعية.
أما نحن في السودان، فإننا نملك من الأراضي والمناخ والموارد ما يؤهلنا لنكون من أكثر الدول اهتمامًا بالتشجير، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا خرجنا من إطار الحملات الموسمية إلى إطار المشروع الوطني المستدام، الذي تشارك فيه الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمدارس، والجامعات، والمواطنون.
ومن هنا، فإن مبادرة الدندر تستحق أن تكون بداية لمشروع قومي تتبناه جميع الولايات، بحيث يصبح لكل مدينة حزامها الأخضر، ولكل مدرسة حديقتها، ولكل مؤسسة برنامجها السنوي للتشجير، ولكل مواطن شجرة يزرعها ويرعاها، فيتحول التشجير إلى ثقافة مجتمعية، وسلوك حضاري، ومسؤولية وطنية يتوارثها الأبناء عن الآباء.
كما أن نجاح هذه المبادرة لن يقاس بعدد الشتول التي زُرعت، وإنما بعدد الأشجار التي ستظل شامخة بعد سنوات، تمد ظلالها للناس، وتحمي الأرض، وتمنح الأجيال القادمة بيئة أجمل وحياة أفضل. فالرعاية هي الوجه الآخر للتشجير، والاستمرارية هي المعيار الحقيقي للنجاح.
إن الشجرة ليست جذعًا وأغصانًا وأوراقًا فحسب، بل هي وعدٌ بالحياة، وعهدٌ بالمستقبل، ورسالة وفاء لا تنقطع. فمن يغرس شجرة اليوم، إنما يمد يده إلى الغد، ويهدي أبناءه وأحفاده ظلًا لم يجلس تحته، وثمرةً قد لا يقطفها، لكنه آمن بأن خير الأوطان هو ما نورثه للأجيال القادمة. وتلك هي الوطنية في أسمى صورها؛ أن يزرع الإنسان الخير حيث يقف، وأن يترك خلفه أثرًا يبقى بعد رحيله.
ومن هنا، فإن التحية لا تقتصر على شباب برلمان سنار الإلكتروني الذين أطلقوا هذه المبادرة الملهمة، ولا على الهيئة القومية للغابات، ولا على حكومة محلية الدندر، ولا على المؤسسات التي أسهمت في إنجاحها، وإنما تمتد إلى كل مواطن حمل شتلة، أو حفر لها حفرة، أو تعهد بسقايتها ورعايتها. فهذه الأيدي التي غرست الأشجار، إنما غرست معها قيم العطاء، ورسخت ثقافة البناء، وأعلنت أن السودان، بعد سنوات الحرب، اختار أن يكتب مستقبله بلغة العمل لا بلغة الانتظار.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى أن تتحول هذه المبادرة إلى سياسة دولة، وإلى برنامج وطني دائم، تشارك فيه الوزارات، والولايات، والمدارس، والجامعات، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، حتى يصبح التشجير جزءًا من ثقافة المجتمع، كما هو جزء من خطط التنمية المستدامة.
*ومن الدندر… لتنطلق رحلة التشجير الوطني، ولتكن هذه المبادرة المباركة نواةً لمشروع قومي يعيد إلى السودان خضرته، وإلى أرضه عافيتها، وإلى أبنائه الثقة بأن الوطن الذي حموه بالتضحيات، قادرٌ أن يزدهر بسواعدهم. فإذا كان الشهداء قد حفظوا للوطن كرامته، فإن واجب الأحياء أن يحفظوا له جماله، وأن يورثوا الأجيال القادمة سودانًا أكثر خضرة، وأكثر نماءً، وأكثر حياة*.











إرسال تعليق