تتجاوز قضية إعفاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف اسم الوزير نفسه لتضع الدولة أمام سؤال أكثر أهمية: هل تملك الحكومة حقها الطبيعي في إدارة مؤسساتها وتغيير شاغلي المناصب العامة، أم أن استحقاقات اتفاق جوبا بدأت تتحول من شراكة سياسية إلى حق فيتو على قرارات الدولة؟
الاعتراض على قرار الإعفاء حق مشروع، ومراجعة قرارات الحكومة حق تكفله السياسة والقانون، لكن تحويل الاعتراض إلى تهديد أو التعامل مع المنصب باعتباره استحقاقاً ثابتاً لحركة بعينها يضعف هيبة الدولة ويفتح الباب أمام تعدد مراكز القرار
اتفاق جوبا جاء ليقود إلى الدولة لا ليصنع مراكز نفوذ داخلها. والاستحقاق السياسي لا يعني ملكية الوزارة، والوزير الذي يتولى منصباً في الدولة يصبح مسؤولاً أمام مؤسساتها والقانون والمواطن، وتصبح كفاءته وأداؤه جزءاً من معايير بقائه في موقعه
بعبارة أوضح: الوزارة ليست حصة تنظيمية، والمنصب العام ليس ملكية سياسية ومن حق الحكومة أن تراجع أداء أي مسؤول وأن تعفيه متى رأت أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، كما أن من حق الجهة المعنية أن تعترض وتقدم حجتها. لكن الفيصل يجب أن يكون القانون والمؤسسة، لا قوة التنظيم ولا لغة التهديد
وفي المقابل فإن قوة الدولة لا تعني غياب الشفافية. فإذا كان قرار الإعفاء مرتبطاً بالأداء فعلى الحكومة أن توضح ذلك للرأي العام، وإذا كانت هناك أسباب سياسية أو إدارية أخرى فعليها أن تتحمل مسؤوليتها. فالقرارات الغامضة لا تحمي الدولة، بل تمنح الخلافات السياسية مساحة أكبر للتمدد
السودان لا يحتمل العودة إلى زمن مراكز القوى، حيث لكل طرف نفوذه وخطوطه الحمراء داخل مؤسسات الدولة. فقد دفع المواطن ثمناً باهظاً بسبب ضعف الدولة وتعدد مراكز القرار، وليس من الحكمة إعادة إنتاج الأزمة ذاتها تحت عنوان السلام
فالسلام الحقيقي لا يعني توزيع المناصب فقط، وإنما يعني الاتفاق على مرجعية واحدة للدولة، وعلى أن تكون المؤسسات أعلى من الأشخاص والتنظيمات
اتفاق جوبا يجب أن يكون جسراً إلى الدولة لا بديلاً عنها
ومن يشارك في مؤسسات الدولة عليه أن يقبل بقواعدها، ومن يتولى منصباً عاماً عليه أن يقبل بالمراجعة والمساءلة والإعفاء. فالمناصب تتغير، والحكومات تتبدل، والقوى السياسية تعيد ترتيب مواقعها، لكن الدولة يجب أن تبقى
جوبا تعني الشراكة ولا تعني الحصانة
وتعني الاستحقاق ولا تعني ملكية المنصب
وتعني السلام ولا تعني تعدد مراكز القرار
فالدولة التي تريد أن تخرج من الحرب إلى الاستقرار لا يمكن أن تسمح بأن تصبح أي وزارة منطقة نفوذ مغلقة، ولا أن يتحول أي اتفاق سياسي إلى مظلة فوق المساءلة
المعركة الحقيقية ليست على كرسي الوزارة، بل على هيبة الدولة ومن يملك القرار داخلها.











إرسال تعليق