الجنيه السوداني… والمواطن يدفع ثمن الحرب

  • بتاريخ : 8 أغسطس، 2026 - 1:49 م
  • الزيارات : 9
  • بقلم/ م م الامام عبداللطيف الامام

    لم يكن وصول الدولار إلى مستويات غير مسبوقة في السوق الموازية مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو *جرس إنذار* يدق بقوة، معلنًا أن الاقتصاد السوداني يمر بواحدة من أصعب مراحله في التاريخ الحديث.

    فانهيار قيمة الجنيه ليس حدثًا معزولًا، ولا نتيجة لنشاط المضاربين وحدهم، بل هو المحصلة الطبيعية لتراكمات اقتصادية وسياسية وأمنية، تفاقمت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب. فقد تعطلت عجلة الإنتاج، وانهارت سلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وخرجت رؤوس الأموال والكفاءات الوطنية إلى الخارج، كما تضررت مؤسسات الدولة، مما زاد الضغوط على الاقتصاد الوطني وأضعف قدرة البلاد على توفير النقد الأجنبي.

    ومن الخطأ أن ننظر إلى سعر الدولار باعتباره أصل المشكلة؛ *فهو في الحقيقة مؤشر يقيس صحة الاقتصاد*، وليس سببًا في مرضه. فعندما يتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتنخفض الصادرات، وتتقلص إيرادات الدولة، وتتزايد الحاجة إلى الاستيراد، يصبح الطلب على العملات الأجنبية أكبر بكثير من المعروض، فيرتفع سعرها، وتتراجع تبعًا لذلك قيمة العملة الوطنية.

    كما أن الفجوة الواسعة بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية تعكس تراجع الثقة في السياسات النقدية، لأن الأسواق لا تستجيب للتوجيهات الإدارية بقدر ما تستجيب للواقع الاقتصادي ومؤشراته.

    ولا ينبغي أن يكون الرد على هذا الانهيار مجرد إجراءات مصرفية أو حملات لملاحقة تجار العملات، فهذه الإجراءات قد تخفف من حدة الأزمة مؤقتًا، لكنها لن تعالج جذورها. فالعلاج الحقيقي يبدأ بإعادة تشغيل الاقتصاد، واستعادة الإنتاج، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وزيادة الصادرات، وتشجيع تحويلات السودانيين بالخارج عبر القنوات الرسمية، إلى جانب إصلاح النظام المصرفي واستعادة الثقة فيه.

    كما أن استقرار سعر الصرف يتطلب سياسات مالية ونقدية متناسقة، تقوم على ترشيد الإنفاق العام، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، لأن الثقة في الاقتصاد تُبنى بالسياسات الرشيدة والنتائج الملموسة، لا بالشعارات.

    ويمتلك السودان من الموارد الزراعية والمعدنية والمائية والثروة الحيوانية ما يؤهله ليكون من أقوى اقتصادات المنطقة، غير أن وفرة الموارد وحدها لا تصنع اقتصادًا قويًا، ما لم تُحسن إدارتها بكفاءة وشفافية، في ظل استقرار سياسي وأمني وسيادة حكم القانون.

    إن أخطر ما في انهيار العملة ليس الرقم الذي يسجله الدولار، وإنما أثره المباشر على حياة المواطنين؛ فهو يعني ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، ويؤدي إلى تآكل الدخول، واتساع دائرة الفقر، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، بما يثقل كاهل المواطن الذي يدفع الثمن الأكبر.

    ولذلك فإن إنقاذ الجنيه السوداني لا يكون بالدفاع عن سعره في الأسواق فحسب، وإنما بالدفاع عن الاقتصاد نفسه. فكل فدان يُزرع، وكل مصنع يعود إلى الإنتاج، وكل مشروع تعدين يعمل بكفاءة، وكل دولار يدخل عبر الصادرات أو الاستثمار أو تحويلات السودانيين بالخارج، يمثل دعمًا حقيقيًا للعملة الوطنية، أما الحلول المؤقتة فلن توقف هذا النزيف.

    إن استمرار تراجع قيمة الجنيه لا ينعكس على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يمتد أثره إلى حياة الناس اليومية، من خلال ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع القدرة على توفير الغذاء والدواء والتعليم، وزيادة البطالة والهجرة، وهي آثار قد تستمر لسنوات حتى بعد توقف الحرب، ما لم تُتخذ إصلاحات اقتصادية جادة وشاملة.

    *إن الجنيه السوداني لن يستعيد عافيته بمجرد انخفاض الطلب على الدولار، بل عندما يرتفع الإنتاج، وتعود المصانع إلى العمل، وتمتلئ الحقول بالمزارعين، وتتحرك الصادرات عبر الموانئ، ويستعيد المواطن ثقته في اقتصاد بلاده. عندها فقط سيعود الجنيه قويًا، لأنه سيكون مستندًا إلى اقتصاد قوي ومنتج، لا إلى أمنيات أو قرارات مؤقتة.*