المنصب ليس ملكاً لأحد… وسنة التغيير يجب أن تكون سنة إصلاح لا سنة تقليل

  • بتاريخ : 8 أغسطس، 2026 - 2:15 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم/ د. سعاد فقيري

    المنصب ليس ملكاً لأحد… وسنة التغيير يجب أن تكون سنة إصلاح لا سنة تقليل

    أقول للعيكورة: كلامك سليم، ولكن القضية أكبر من شخصٍ يغادر منصبه، أو مسؤولٍ يأتي ليحل محله. القضية الحقيقية هي: كيف ننظر إلى المنصب العام؟ وكيف نضع مصلحة الدولة فوق الأشخاص؟
    لقد آن الأوان أن نفهم أن المنصب العام ليس تكريماً شخصياً، ولا حقاً مكتسباً، ولا ملكية خاصة، وإنما هو تكليف ومسؤولية وأمانة مؤقتة لخدمة الدولة والمواطن.
    ومن هنا فإن خروج أي مسؤول من موقعه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تقليلاً من شأنه أو انتقاصاً من قدره، كما أن بقاءه في منصبه لا ينبغي أن يكون دليلاً على أنه أفضل من غيره. المعيار الحقيقي هو مصلحة الدولة.
    المقال أو التغيير؟
    إذا كان المقصود أن يُقال مسؤول من منصبه عندما تقتضي مصلحة العمل ذلك، فهذا أمر طبيعي في إدارة الدول والمؤسسات.
    بل إن التغيير سنة إدارية وسياسية إذا كان الهدف منه تجديد الدماء، وتصحيح المسار، ورفع كفاءة الأداء، ومعالجة القصور.
    لكن الخطورة أن يتحول التغيير إلى تصفية حسابات، أو أن يتحول التمسك بالمسؤول إلى نوع من المجاملة، أو أن يصبح المنصب مرتبطاً بالأشخاص بدلاً من ارتباطه بالمؤسسة.
    نحن بحاجة إلى قاعدة واضحة:
    لا نُبقي مسؤولاً لأنه صديق، ولا نقيله لأنه مختلف معنا؛ وإنما نقيسه بما قدمه للدولة وما يمكن أن يقدمه لها.
    وهذه هي الدولة التي نريد بناءها.
    ما معنى المنصب؟
    المنصب ليس الكرسي.
    المنصب هو مسؤولية، وسلطة، ومحاسبة، ونتائج.
    ومن يتولى منصباً عاماً يجب أن يعرف منذ اللحظة الأولى أنه لا يملك الوزارة أو المؤسسة أو الهيئة التي يديرها، وإنما يديرها نيابة عن الدولة والشعب.
    لذلك يجب أن تكون هناك أسئلة بسيطة أمام كل مسؤول:
    ماذا أنجزت؟
    ماذا أصلحت؟
    ماذا وفرت للدولة؟
    ماذا قدمت للمواطن؟
    ما المشروعات التي تركتها بعد مغادرتك؟
    وهل أصبحت المؤسسة بعدك أقوى أم أضعف؟
    هذه الأسئلة أهم من السؤال: هل نحب هذا المسؤول أم لا؟
    سنة التغيير وليست سنة التقليل
    نحن في مرحلة تحتاج إلى تغيير حقيقي.
    والتغيير لا يعني بالضرورة أن السابق كان سيئاً، ولا أن القادم سيكون أفضل منه بالضرورة.
    قد يكون المسؤول قد أدى دوره وانتهت مرحلته، وقد تحتاج الدولة إلى عقلية جديدة، أو خبرة مختلفة، أو شخصية أكثر قدرة على تنفيذ مرحلة جديدة.
    وهذا أمر يحدث في كل دول العالم.
    لذلك يجب أن نخرج من ثقافة:
    “إذا أُعفي المسؤول فقد فشل.”
    كما يجب أن نخرج من ثقافة:
    “إذا بقي المسؤول فهو ناجح.”
    فكلا الحكمين غير صحيح بالضرورة.
    التقييم يكون بالأرقام والإنجاز والقدرة على إدارة الملفات، وليس بالتصفيق أو العلاقات أو الحملات الإعلامية.
    الدولة أكبر من الوزير والمسؤول
    هذه نقطة جوهرية.
    الوزير يتغير، والوالي يتغير، والمدير يتغير، ورئيس المؤسسة يتغير، لكن الدولة تبقى.
    والمؤسسات يجب أن تبقى أقوى من الأشخاص.
    ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة هو أن تصبح المؤسسات مرتبطة بأسماء أفراد، فإذا ذهب الشخص تعطلت المؤسسة، وإذا جاء شخص جديد بدأ من الصفر.
    الدولة الحديثة لا تعمل بهذه الطريقة.
    الدولة الحديثة تبني مؤسسات ونظماً ولوائح وذاكرة مؤسسية، بحيث يستطيع المسؤول الجديد أن يبني على ما أنجزه السابق، ويصحح ما أخطأ فيه، ويضيف إليه.
    لا للتقليل من الرجال… نعم لمصلحة الوطن
    إذا كان هناك مسؤول سيغادر منصبه، فعلينا أن نحترم ما قدمه، ونحاسبه على ما أخطأ فيه، ونقيّم تجربته بموضوعية.
    لا نحتاج إلى حملات تشويه.
    ولا نحتاج إلى صناعة أبطال.
    ولا نحتاج إلى تحويل المسؤول إلى خصم بمجرد مغادرته.
    نحن نحتاج إلى دولة تعرف كيف تحترم رجالها، وفي الوقت نفسه تعرف كيف تستبدلهم عندما تقتضي مصلحة الدولة ذلك.
    وهذه هي المعادلة الصحيحة:
    احترام الشخص لا يعني التمسك بمنصبه، وإعفاء الشخص لا يعني إهانته.
    مصلحة السودان أولاً
    السودان اليوم لا يحتمل إدارة الملفات بمنطق المجاملات.
    ولا يحتمل أن تكون التعيينات مبنية على العلاقات الشخصية.
    ولا يحتمل أن نخشى من تغيير مسؤول لأن البعض سيغضب.
    السودان يحتاج إلى حكومة ومؤسسات تعمل بمنهج الكفاءة والمساءلة والإنجاز.
    ومن هنا أقول للعيكورة: نعم، كلامك سليم في جوهره؛ لكن دعونا نجعل القضية أوسع من مجرد المطالبة بإقالة مسؤول.
    فلنسأل أولاً:
    هل تغيير هذا المسؤول يخدم الدولة؟
    إذا كانت الإجابة نعم، فليتم التغيير بكل احترام.
    وإذا كانت الإجابة لا، فليستمر في موقعه، لكن تحت التقييم والمحاسبة.
    فالهدف ليس التقليل من أحد، وإنما رفع مستوى الدولة.
    وأخيراً…
    لقد حان الوقت أن نفهم أن المناصب محطات وليست ممالك.
    من جاء إلى المنصب عليه أن يعمل وكأنه سيغادر غداً، فيترك وراءه مؤسسة أفضل مما وجدها.
    ومن غادر المنصب عليه أن يعرف أن خروجه لا يعني نهاية دوره في خدمة وطنه.
    فالرجال الحقيقيون لا تصنعهم الكراسي، ولا تنقص من قدرهم الإعفاءات.
    إنما يصنعهم ما قدموه لوطنهم.
    ولهذا يجب أن تكون المرحلة المقبلة:
    سنة التغيير من أجل الإصلاح، لا سنة التقليل من الرجال.
    وسنة تقييم الأداء، لا سنة المجاملات.
    وسنة المؤسسات، لا سنة الأشخاص.
    وسنة السودان أولاً… وفوق الجميع.