بقلم / شذى عبدالله طه زين الدين
نمضي… دون أن نعرف تمامًا متى صعدنا، ولا إلى أين سنصل، ولا كم محطة سنمرّ بها قبل أن ينتهي بنا الطريق. كل ما نعرفه أننا داخل هذا القطار، نتحرّك رغمًا عنا أحيانًا، ونختار مقاعدنا أحيانًا أخرى، ونراقب الوجوه التي تصعد وتنزل دون أن نملك إيقاف الرحلة.
وما نحن سوى ركّابٍ في قطار الحياة،
نلتقي صدفة،
ونفترق دون موعد،
ونحمل في قلوبنا قصصًا لم تكتمل.
في البداية، نظن أن كل من يجلس بجوارنا سيكمل الطريق معنا، نُحدّثهم، نشاركهم تفاصيلنا ونبني على حضورهم توقعات طويلة.
لكن مع كل محطة نتعلم درسًا جديدًا ليس كل من رافقنا سيبقى وليس كل من ابتسم لنا كان قدرًا دائمًا.
بعضهم ينزل بهدوء،
دون وداع واضح،
يترك فراغًا أكثر من كلماته.
وبعضهم يغادر فجأة
كأن الرحلة قررت أن تختبر قدرتنا على الفقد.
وهناك من يمرّ مرورًا خفيفًا
لا يترك أثرًا يُذكر،
ولا يضيف وجعًا يُحمل.
وهؤلاء… رحمة خفية لا ننتبه لها.
في هذا القطار نتعلّم أن التعلّق الزائد يرهق وأن التوقّع المبالغ فيه يخذل.
نتعلّم أن نُحسن الصحبة دون أن نربط قلوبنا بنهايات لا نملكها.
وأن نحبّ بصدق لكن بوعي أن الرحلة ليست بأيدينا.
نُجرّب مقاعد مختلفة
أحيانًا نجلس في أماكن لا تشبهنا
وأحيانًا نُزاحم لنحصل على راحة مؤقتة
وأحيانًا نقف طويلًا… دون أن نجد مكانًا مناسبًا.
ومع الوقت نفهم أن الراحة الحقيقية لا تأتي من المقعد
بل من القبول.
أن نرضى بمسار الرحلة لا أن نقاومه في كل محطة.
أن ندرك أن بعض التأخير حكمة وبعض التغيير رحمة وبعض الفقد… نجاة لم نفهمها في وقتها.
وما بين محطة وأخرى
نكبر.
لا بالسنين
بل بما نراه
وبما نفقده
وبما نتعلّمه عن أنفسنا.
ندرك أن الطريق لا يُقاس بطوله
بل بما تركه فينا.
وأن الأشخاص لا يُقاسون بعددهم
بل بصدق أثرهم.
في هذا القطار، لا أحد يملك ضمان البقاء ولا أحد يعرف موعد النزول.
ولهذا يصبح اللطف ضرورة لا خيارًا.
كلمة طيبة قد تكون آخر ما يُقال وابتسامة صادقة قد تكون الذكرى الوحيدة التي تبقى.
نُخطئ حين نتصرف وكأن الرحلة دائمة
ونؤجل الاعتذار
ونؤخر المحبة
ونبخل بالود
وكأن الوقت معنا إلى الأبد
لكن الحقيقة أبسط من ذلك وأعمق
نحن عابرون.
مهما طال المقام
ومهما كثرت التفاصيل
سننزل يومًا
ويكمل القطار طريقه دوننا.
وحين نصل إلى تلك اللحظة
لن يهم كم محطة مررنا بها
ولا كم شخصًا عرفنا
بل كيف كنّا في الرحلة.
هل كنّا خفيفين على القلوب؟
أم عبئًا لا يُحتمل؟
هل تركنا أثرًا طيبًا؟
أم ضجيجًا يُنسى سريعًا؟
وما نحن سوى ركّابٍ في قطار الحياة
لكننا نملك اختيارًا واحدًا مهمًا
كيف نكون ونحن في الطريق.
قهوتي أحب شربها باردة










إرسال تعليق