سبحة الذكريات… حين تعيد التكنولوجيا وصل ما انقطع

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 5:31 م
  • الزيارات : 11
  •  

    بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

    قبل دقائق، تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد الأصدقاء وزملاء الدراسة الذين لم ألتقِ بهم منذ فترة طويلة. أخبرني بأنه قريب مني وفي ذات المدينة،وأنه يرغب في لقاء عدد من الزملاء الذين تواصل معهم، وسيأتي للسلام والتحية، ولأصحبه معه إلى مكان هذا اللقاء بعد أن أرسلت له عنوان سكني. رحبت بهذه الدعوة واستبشرت خيراً، وكان لهذا الاتصال وقع خاص أعادني بالذاكرة إلى سنوات مضت من عمر الزمان.

    ففي مراحل مبكرة من حياتنا، جمعتنا الدنيا في أماكن عديدة ومتفرقة داخل البلاد وخارجها بأشخاص كثيرين، قضينا معهم أجمل الأوقات وأطيب الذكريات.لم تكن المصالح الدنيوية هي الدافع وراء تلك اللقاءات التي كانت شبه يومية، وإنما كانت تجمعنا المحبة الصادقة، والود، وروح الأخوة التي تنشأ بلا ترتيب ولا حساب.

    جمعتنا بهم موائد الطعام، والمجالس،والمواقف المختلفة، فكانوا أناساً مميزين، أصحاب نخوة ومروءة وقلوب عامرة بالمودة. ثم دار الزمان دورته، وتفرقت بنا السبل والدروب، وأصبحت المسافات بعيدة، وكانت وسائل الاتصال الحديثة التي نعرفها اليوم غير متاحة.

    كانت أخبارهم،من أفراح وأتراح، تصل إلينا بعد فترات طويلة، وكان التواصل معهم أمراً بالغ الصعوبة، ناهيك عن زيارتهم وتفقد أحوالهم. لكن رغم ذلك، ظلوا حاضرين في الذاكرة، نسترجع من وقت لآخر مواقفهم الجميلة، ونوادرهم، ومغامراتهم، وحكايات الأيام التي جمعتنا بهم.

    فبعض الأشخاص لا تغيبهم المسافات، ولا تمحوهم الأيام؛ لأن مكانتهم لا تُقاس بقرب المكان، وإنما بما تركوه من أثر في القلوب.

    وفي خضم هذا الانقطاع الطويل وتبدل الأحوال، أنشأنا علاقات جديدة في أماكن وجودنا، على ذات النهج، ونظمناها في ذات السلسلة؛ سبحةً من الأخوة الصادقة والمودة الخالصة.

    ثم جاءت التكنولوجيا الحديثة، فأصبح الاتصال والتواصل أكثر سهولة ويسراً، وأصبح بإمكان الإنسان، وهو في مكانه،أن يلتقي صوتاً وصورة بأخ أو صديق غاب عنه سنوات طويلة، وانتقل إلى قارة أو وطن آخر.

    لقد خففت هذه الوسائل كثيراً من وطأة الغياب، وأعادت جسوراً انقطعت بفعل الزمن والمسافات.وظهرت مجموعات تجمع الأهل والإخوان والأصدقاء وزملاء الدراسة في مراحلها المختلفة، فأصبح تبادل التحايا والتهاني، والمشاركة في الأفراح والأتراح، والسؤال عن المريض، والوقوف مع المحتاج،أموراً ميسرة ومتاحة.

    ورغم أن التقنية قرّبت البعيد، فإنها لم تستطع أن تكون بديلاً كاملاً عن دفء اللقاءات القديمة، ولا عن تلك المجالس التي كانت تجمع القلوب قبل أن تجمع الأجساد. فما أجمل أن نجمع بين نعمة التواصل الحديث ووفاء الذكريات القديمة.

    فالأشخاص الذين مروا في حياتنا وتركوا أثراً طيباً هم جزء من قصتنا، تبقى صورهم في الذاكرة، وتظل المحبة الصادقة خيطاً ممتداً لا ينقطع مهما طال الزمن وبعدت الدروب.

    سبحان من يغيّر الأحوال، ويبقي في القلوب أجمل ما مرّ بها .