بقلم/ المهندس الإمام عبد اللطيف
وزير التخطيط العمراني السابق بولاية سنار
أولا جزيل الشكر والتقدير لاخي المستشار الطيب شيقوق على مقاله الذي جاء تحت عنوان :(الدولة اكبر من الجميع)..والحق ان الدولة لا تُختزل… ومن يرفع هذا الشعار أول من يُمتحن به
في السياق السوداني، لا يختلف اثنان على وجاهة مقولة “الدولة أكبر من الجميع”، لكن التجربة تُظهر أن هذه العبارة تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى غطاءٍ بلاغي يخفي عكسها تمامًا. فالأزمة في السودان ليست نقصًا في الوعي بمفهوم الدولة، بل فائضٌ في استخدامه كشعار، يقابله عجزٌ مزمن عن ترجمته إلى سلوك سياسي ملزم.
منذ الاستقلال، تعاقبت سلطات مختلفة—مدنية وعسكرية—وجميعها تحدّثت باسم الدولة، لكن القاسم المشترك بينها كان التعامل معها كامتدادٍ للسلطة لا كقيدٍ عليها. وهنا تحديدًا تكمن المعضلة: الدولة في السودان لم تُهدم فقط بفعل الصراعات، بل أُضعفت أكثر حين تمّ اختزالها في من يحكم، لا في ما يجب أن يبقى بعده.
الإشارة إلى “عقلية البداية المطلقة” دقيقة، لكنها في الحالة السودانية تتجاوز الوصف إلى بنية متكرّرة:
كل سلطة تأتي محمّلة برغبة إعادة تعريف الدولة وفق رؤيتها، لا تطويرها انطلاقًا مما سبقها. والنتيجة ليست مجرد تعثّر سياسي، بل انقطاع في الذاكرة المؤسسية، واهتزاز دائم في فكرة الاستمرارية نفسها.
غير أن الطرح، رغم قوته، يتجنّب نقطة أكثر حساسية:
من الذي يلتزم فعليًا بأن الدولة فوق الجميع حين تتعارض مع مصلحته؟
في السودان، لم تُختبر هذه القناعة في لحظة الخطاب، بل في لحظة القرار—وهناك تحديدًا كانت تسقط.
القول بأن الحل يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسياسة صحيح، لكنه يظل ناقصًا ما لم يُستكمل بسؤال أكثر إلحاحًا:
من يضمن أن لا تُختطف الدولة مرة أخرى باسم إنقاذها؟
لأن الدولة لا تُحمى بالنوايا، بل بـ:
• مؤسسات لا تُعاد هندستها مع كل إنتقال
• قوانين لا تُفصّل على مقاس اللحظة
• وتوازنات لا تسمح لأي طرف—مدنيًا كان أو عسكريًا—أن يحتكر تعريف “الوطن”
في الحالة السودانية، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الشعارات الكبرى، بل في أن هذه الشعارات كانت تُستخدم غالبًا في اللحظة التي يجري فيها تقويض مضمونها على الأرض.
وعليه، *فإن التحدي الحقيقي ليس في التأكيد أن الدولة أكبر من الجميع، بل في إثبات أن لا أحد قادر على تصغيرها عندما يصل إلى السلطة.*
فالدولة التي تحتاج في كل مرة إلى من يذكّر بأنها “أكبر”، هي في الحقيقة لم تترسّخ بعد كمرجعية أعلى، بل ما زالت موضوع نزاع.
ختامًا، يبقى النص مهمًا في توقيته، لكنه—في السياق السوداني—يطرح السؤال ولا يكتمل دون تسمية المشكلة بأسمائها:
الدولة لا تُهدَّد فقط حين تُحارَب، بل حين يُتحدّث باسمها أكثر مما يُحتكم إليها ،،،،
ولك ودي وتقديري











إرسال تعليق