هَلْ هُوَ خَرِيفُ فَرَحٍ، أَمْ هُوَ كَشْفُ خِيَانَةِ بَعْضِ السَّاسَةِ

  • بتاريخ : 11 أغسطس، 2026 - 2:32 م
  • الزيارات : 6
  • الصفر البارد || جلال محمد إبراهيم

     

    في زحمة الكتب التي تؤرخ لتجارب الأمم، يبرز كتاب “خريف الفرح: أسرار السودان 1950-1970” للصحفي السوداني الكبير عبد الرحمن مختار، مؤسس صحيفة “الصحافة” ورئيس تحريرها، كشاهد عيان على مرحلة مفصلية من تاريخ السودان. صدر الكتاب عام 1978، ليكشف خفايا السياسة السودانية في عقدين حاسمين، ويطرح سؤالاً لا يزال يتردد حتى اليوم: هل كان ذلك الخريف خريف فرح حقيقياً أم كان بداية لخريف الغضب والفساد السياسي الذي ما زال السودان يعاني ويلاته؟

    عبد الرحمن مختار، الذي غيبه الموت عن عمر يناهز 81 عاماً، لم يكن مجرد مؤرخ أو كاتب، بل كان صحفياً مخضرماً عاش تفاصيل تلك المرحلة، وصنع جزءاً من تاريخ الصحافة السودانية. كتابه “خريف الفرح” لم يأتِ ليروي مجداً زائفاً أو يستعرض إنجازات وهمية، بل جاء ليكشف “أسرار السودان”، كما يشير عنوانه الفرعي، وليفضح الممارسات السياسية التي أرخت بظلالها على حاضر السودان وأدت إلى تخلف العمل السياسي السوداني إلى يومنا هذا.

    أولى تلك الممارسات التي رصدها مختار بعين الصحفي الناقد، كانت انشغال السياسيين بالصراعات الشخصية والخلافات الحزبية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية. يروي عبد الرحمن مختار في كتابه كيف أن محمد أحمد المحجوب، في نوفمبر 1958، سعى لانتزاع رئاسة حزب الأمة من مؤسسه عبد الله خليل، في اجتماع موسع بالقبة. كان المحجوب، كما يصفه مختار، “رجلاً نرجسياً وعلى اقتناع كامل بأنه الكل في الكل ولا يعلى عليه.

    هذا الصراع الداخلي الحاد دفع عبد الله خليل للخروج غاضباً، متجهاً إلى منزل علي الميرغني في بحري حيث تمت مباركة الانقلاب من الطائفية. وبعد يومين فقط، تسلم إبراهيم عبود السلطة في برغم انه ليس انقلابا عسكريا بمعنى الانقلابات الا انه صنف بجهالة انه أول انقلاب عسكري بالسودان، ليخلق من بعده “فايروس الانقلابات” الذي ما زال السودان يعاني منه حتى اليوم .

    والأكثر إثارة للدهشة، كما يورد عبد الرحمن مختار، أن عبود نفسه رفض استلام السلطة في البداية ! ! ، إذ كان قد تبقى له شهران على المعاش وتحصّل على رخصة لطاحونة! لكنه أصر على استلام أمر كتابي من رئيس وزراء الحكومة الديمقراطية ( عبد الله خليل ) للقيام بانقلاب ، مع اتفاق لإعادة السلطة بعد ستة أشهر وبدلا ان تسلم السطة التي تعتبر انتقالية في ستة شهور تم ( مط الفترة العسكرية الي اكثر من 6 سنوات . وكما يعلق الكاتب عبد الرحمن مختار بسخرية موجعة: حين قال ( بدلاً عن طحن الذرة والقمح تم طحن الديمقراطية ) . في هذه المشاهد، يرسم مختار صورة قاتمة لسياسيين يتنازعون على الكراسي، واضيف له من عندي :- بينما يقدمون البلاد على طبق من فضة لأول عسكري يطرق أبوابهم وان لم يجدوا عسكري يستلم السلطة ،، فان البعض يبحثوان عن دولة خارجية يتم بيع الوطن لها بمصالح شخصية كما يفعل الان سلك وحمدوك ومن لف لفهم من القحاطة وصمود .

    كما يكشف عبد الرحمن مختار عن ظاهرة أخرى أسهمت في تخلف العمل السياسي، وهي استغلال الكهنته الدينية الزائفة لأغراض سياسية. ففي مشهد آخر من الكتاب، يورد مختار كيف أن السيد عبد الرحمن المهدي لم يخطئ في الاتصال بإسرائيل، وكيف أن أسرة المهدي استعانت بإسرائيل وقبضت منها الجنيهات الذهبية ! ! ، كما قبضت من الإمبراطور هيلاسيلاسي. هذه الكشوفات، ! ! التي يوردها مختار بجرأة الصحفي الحر، تهدم الصور النمطية التي يروجها البعض عن نقاء السياسيين وتجردهم، وتظهر كيف أن المصالح الضيقة كانت تتحكم في قرارات كبرى .

    ولم يغفل عبد الرحمن مختار في كتابه كذلك عن دور القوى الخارجية في تشويه العمل السياسي السوداني، خصوصاً التدخل المصري. يذكر الكاتب كيف أن مصر “انتزعت إرادة السودانيين وقامت بتكوين الحزب الاتحادي في منزل محمد نجيب في القاهرة أكتوبر 1952، واشترت الناخبين والنواب بشنط صلاح سالم المليئة بالمال”. ! ! ! هذه الإشارات تكشف عن واقع مرير: سياسيون سودانيون يبيعون ولاءهم ووطنهم لأجندات خارجية، مقابل مناصب ومال، تاركين الوطن فريسة للانقسام والتبعية. بالله عزيزي القارئ قف هنا وتأمل ،، هل تجد نفس النمط حتى اليوم مستمر ،،هذا ليعلم الجميع بان معظم الأحزاب السودانية ( الا من رحم ربي ) هم تم تاسيسهم تعلى خيانة الوطن والشعب ، والمصيبة الكبرى ان هنالك من يلتف حولهم ويهتف لهم يا لها من مصيبة .

    الجلدة التي تلقها الصحفي المصري هيكل :-

    ثم يصل الأستاذ عبد الرحمن مختار في جرأته إلى حد توثيق ما وصفه البعض بغرائب السياسة السودانية. ففي حادثة طريفة لكنها دالة، يروي مختار أن النميري وجمال عبد الناصر كانا في طريقهما إلى ليبيا للاحتفال مع القذافي بالعيد الأول لثورة الفاتح، وكان معهما الصحفي محمد حسنين هيكل في نفس الطائرة. علق هيكل قائلاً: “إن ما فعله القذافي ثورة حقيقية ولكن ما قام به النميري انقلاب”. فما كان من النميري إلا أن “طلع قاشه من بنطاله العسكري وانهال ضرباً على هيكل”. هذا المشهد، الذي قد يبدو هزلياً، يعكس بعمق حالة الانهيار الأخلاقي والمهني التي وصل إليها العمل السياسي، حيث يصبح العنف الجسدي أداة للرد على النقد! وهذا ما تعاني منه الصحافة العربية حتى اليوم ( تكميم وكسر الأقلام الوطنية ) .

    -في مجمل هذه الروايات، يقدم عبد الرحمن مختار في “خريف الفرح” تشخيصاً دقيقاً لأمراض السياسة السودانية: الانشغال بالصراعات الشخصية، واستغلال الدين والمذهبية، والتبعية للخارج، وانعدام الأخلاق السياسية. هذه الممارسات، التي وثقها مختار بأمانة الصحفي الشجاع، لم تكن مجرد أخطاء عابرة، بل أصبحت نمطاً متكرراً في العمل السياسي السوداني، يتوارثه الأجيال، حتى تحول ما كان يبدو “خريف فرح” إلى “خريف غضب” دائم.

    اخر المداد :-

    اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاماً على الفترة التي وثقها مختار، لا يزال السودان يعاني من وطأة تلك الممارسات ذاتها. الانقلابات تتوالى، والصراعات الحزبية تشتت الجهود، والتبعية للخارج تستمر مع خيانة الوطن وبيع الشعب بثمن بخس لاي دولة مثل ما يفعل الان القحاطة ومجموعة صمود مع الامارات ضد السودان ، و بالطبع الشعب هو من يدفع الثمن غالياً.

    ان الكتاب الذي ألفه عبد الرحمن مختار لم يكن مجرد تأريخ لماضٍ مضى، بل كان نبوءة لمستقبل من رجل عاصر كل الشخصيات التي كتب عنها وكان من المقربين منها بشدة ،، والمصيبة لا يزال السودان يغرق في وحله. رحم الله عبد الرحمن مختار، فقد ترك لنا كتاباً لا يزال، بعد كل هذه السنوات، أكثر كتب السياسة السودانية راهنية وإيلاماً.

    – ملحوظة :-

    أي صحفي او سياسي لم يطلع هلى هذا الكتاب لن اعترف به صحفي او سياسي في السودان ،، الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد . فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد