الكفاءة و الولاء.. أم ذر الرماد في العيون …. ( ٣ )

  • بتاريخ : 11 أغسطس، 2026 - 8:31 ص
  • الزيارات : 4
  • ويتوالي مسلسل البصيرة أم حمد..

    الأستاذ فتح الرحمن النحاس
    وجدتها وجدتها.

    بقلم السفير الصادق المقلي

    “كاتب- ودبلوماسي سوداني”

    وهنا نصل إلى جوهر المسألة التي غابت ــ عمداً أو سهواً ــ عن كثير من الذين تحدثوا عن أزمة الكهرباء، ومن بينهم الأخ فتح الرحمن النحاس.

    فالقضية ليست فقط: هل لدينا كفاءات إسلامية تستطيع إدارة الكهرباء؟

    بالطبع لدينا، كما لدينا كفاءات ممتازة من كل الاتجاهات السياسية والفكرية.

    لكن السؤال الحقيقي هو:

    هل أزمة الكهرباء في السودان أزمة كفاءات وولاء سياسي، أم أنها أزمة حرب وانهيار بنية تحتية وعزلة دولية وانقطاع عن مسارات التمويل والتنمية؟

    إن اختزالها في تعيين هذا الموظف أو إعفاء ذاك، أو في إعادة الإسلاميين إلى إدارة قطاع الكهرباء، ليس سوى ذر للرماد في العيون ودفن للرؤوس في الرمال.

    فالانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر 2021 لم يكن مجرد تغيير في السلطة السياسية؛ كانت له آثار مباشرة على علاقة السودان بالمؤسسات الإقليمية والدولية.

    فقد حُرم السودان من المشاركة الطبيعية في أنشطة الاتحاد الأفريقي، وغاب بالتالي عن عدد كبير من الفعاليات والبرامج التي تجمع الدول الأفريقية بشركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية.

    وهذا يعني عملياً أن السودان لم يخسر فقط علاقاته السياسية، وإنما خسر أيضاً فرصاً تنموية وتمويلية كان في أمس الحاجة إليها.

    خذوا قطاع الكهرباء مثالاً.

    في الوقت الذي كانت فيه الدول الأفريقية تتحرك للحصول على نصيبها من المبادرات الدولية لتوسيع الوصول إلى الكهرباء، كان السودان غائباً عن هذه المسارات بسبب الانقلاب ثم الحرب.

    1.. ومن أبرز هذه المبادرات Energy Mission 300، التي تستهدف توصيل الكهرباء إلى نحو 300 مليون أفريقي جنوب الصحراء بحلول عام 2030، عبر تعبئة تمويلات وشراكات دولية وأفريقية ضخمة، في نطاق يقدر بنحو 30 إلى 40 مليار دولار حتى عام 2030.

    هذه ليست أموالاً نظرية.

    إنها موارد وبرامج ومشروعات تتنافس الدول على الاستفادة منها، وتحتاج إلى حكومات مستقرة، ومؤسسات قادرة على إعداد المشروعات، وعلاقات طبيعية مع شركاء التنمية، وأمن يسمح بتنفيذ ما يتم تمويله.

    فأين كان السودان؟

    كان غائباً.

    ثم جاءت الحرب لتضيف كارثة أخرى: تدمير ما تبقى من البنية التحتية للكهرباء.

    وقدّر البنك الدولي خسائر قطاع الكهرباء في السودان بسبب الحرب بنحو 3 مليارات دولار، بينما قدّر وزير الطاقة السوداني الخسائر بنحو 8 مليارات دولار. وقد يختلف الرقمان باختلاف منهجية احتساب الخسائر وما يدخل ضمنها، لكنهما يلتقيان في حقيقة واحدة:

    الدمار هائل، ولا يمكن إصلاحه بإقالة موظف أو تعيين آخر.

    والأكثر دلالة أن مدير البنك الدولي أوضح في سياق منتدى الطاقة في دار السلام أن المؤسسة لا تستطيع أن تخصص عشرات الملايين لإعادة تأهيل محطة كهرباء ثم تتعرض المحطة للقصف بالمسيرات مرة أخرى.

    وهذه بديهة اقتصادية:

    لا يمكن أن تموّل إعادة بناء محطة اليوم، بينما الحرب مستمرة ويمكن أن تدمرها غداً.

    إذن الحرب ليست فقط سبباً في انقطاع الكهرباء؛ بل تجعل إعادة إعمار قطاع الكهرباء نفسه محفوفة بالمخاطر التمويلية والاستثمارية.

    ٢. . والأمر لا يتوقف عند الكهرباء.

    فقد غاب السودان كذلك عن المنتدى الأفريقي للمياه في إنجمينا، تشاد، في الوقت الذي تعهد فيه شركاء التنمية بتمويل برامج تستهدف توفير المياه لنحو 400 مليون أفريقي.

    ٣… … كما غاب عن فعاليات دولية مهمة في مجال الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA.

    فلتتخيلوا ماذا فعل الانقلاب و ماذا فعلت الحرب… ليس فقط فاتوره ثقيلة دفعها المواطن قتلا و تشريدا و جوعا و مرضا و خروج الملايين من شبابه و أطفاله.. ثلاثة اجيال. من مظلة التعليم و مزيدا من الفاقد التربوي و ما يترتب عليه من تبعات نفسية و مجتمعية و أمنية .
    بل ظل الوطن منذ انقلاب اكتوبر ٢٠٢١.. يسدد فاتورة غيابه من كافة المحافل الإقليمية والدولية… و الآثار الكارثية لهذا الغياب على التنمية و الاقتصاد السوداني.

    و تواصل في الأمثلة…

    ٤….. قمة أفريقيا إلى الأمام – نيروبي 2026*
    _Africa Forward Summit – Nairobi 10-12 May 2026_

    *الأجندة والمخرجات:*
    عقدت القمة بمشاركة 30 رئيس دولة وحكومة أفريقيين + الرئيس الفرنسي ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة. وخرجت بـ “إعلان نيروبي” الذي حدد عدة محاور أهمها.

    1. *الاقتصاد والتمويل*: التزامات استثمارية بقيمة *23 مليار يورو* 14 مليار من شركات فرنسية + 9 مليار من مستثمرين أفارقة. التحول من “المعونة” إلى “الاستثمار المشترك”

    2. *البنية التحتية والربط* تركيز على الربط الإقليمي، الطاقة الخضراء، التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
    3. *الزراعة والأمن الغذائي*: تحويل الزراعة من تصدير مواد خام إلى تصنيع زراعي، سلاسل تبريد، لوجستيات، وتفعيل التجارة تحت اتفاقية AfCFTA. دعم خطة صحة التربة والأسمدة الأفريقية 2024-2034
    4. *الصحة*: أنظمة صحية مرنة + التصنيع المحلي للقاحات والأدوية
    5. *الشباب والابتكار*: تمكين الشباب والنساء والمزارعين عبر التمويل والأراضي والأدوات الرقمية. منصة “Nova Garage” لرواد الأعمال الأفارقة
    6. *السلم والأمن*: دعم الحلول الأفريقية عبر هندسة السلم والأمن الأفريقية APSA وتمويل عمليات الاتحاد الأفريقي..

    *ماذا خسر السودان؟*
    1. *مقعد في رسم أولويات القرن الأفريقي*: القمة ناقشت الربط الإقليمي والطاقة والنقل والرقمنة. السودان بموقعه الجغرافي كان يمكن أن يكون محور الربط بين شرق ووسط أفريقيا.

    2. *23 مليار يورو استثمارات*: لم يكن السودان ضمن الدول الـ30 الموقعة ولا ضمن الشركات الكبرى مثل TotalEnergies, Orange, Sanofi التي فتحت خطوط تمويل جديدة.

    3. *الزراعة والجزيرة*: القمة تبنت “التصنيع الزراعي وسلاسل القيمة”. مشروع الجزيرة كان يمكن أن يطرح كمشروع قاري للسيادة الغذائية.
    4. *الذكاء الاصطناعي والصحة*: تم تخصيص ملفات للـ AI في الصحة والزراعة والتصنيع الدوائي. السودان غائب عن شراكات نقل التقنية.

    *٥… القمة الأفريقية الأوروبية*
    _EU-AU Summit – الدورة السابعة | لواندا، أنغولا 24-25 نوفمبر 2025_

    *الأجندة والمخرجات:*
    عقدت تحت شعار “تعزيز السلام والازدهار عبر تعددية فعالة”. أهم ما جاء فيها: 6c3d

    1. *بوابة أفريقيا العالمية Global Gateway*: تم حشد *أكثر من 120 مليار يورو* من أصل 150 مليار يورو مستهدفة بحلول 2027. الهدف: بنية تحتية خضراء ورقمية ونقل وطاقة
    2. *التجارة والتصنيع*: دعم تنفيذ AfCFTA، سلاسل القيمة الإقليمية والمعادن الحرجة، ومشاريع الربط مثل “ممر لوبيتو”
    3. *الطاقة النظيفة*: التزام بتوصيل *كهرباء نظيفة لـ 100 مليون أفريقي بحلول 2030*. 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم في أفريقيا
    4. *السلام والأمن*: دعوة لخفض التصعيد في السودان والكونغو. دعم تمويل متوقع لعمليات السلام بقيادة الاتحاد الأفريقي
    5. *الشباب والهجرة*: تعاون في التعليم والمهارات والبحث والابتكار وتوسيع التنقل الطلابي
    6. *الحوكمة العالمية*: إصلاح النظام المالي العالمي وزيادة تمثيل أفريقيا

    *ماذا خسر السودان؟*

    1. *150 مليار يورو تمويل*: السودان لم يقدم أولوياته ضمن “بوابة أفريقيا العالمية” التي تستهدف الصحة والتعليم والطاقة والنقل. في وقت خزينته مفلسة ويستجدي تحويلات المغتربين.

    2. *الطاقة والمياه*: التزام القمة بتوصيل الكهرباء لـ100 مليون شخص. السودان يعاني من قطوعات الكهرباء وموت مرضى غسيل الكلى.

    3. *الربط الإقليمي*: نوقش “ممر لوبيتو” كنموذج للربط. السودان كان يمكن أن يطرح ممرات الربط مع تشاد وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا ومصر.

    4. *صوت في ملف السودان*: القمة أدانت فظائع الفاشر ودعت لوقف فوري للعدائيات. لكن السودان لم يكن على الطاولة ليقدم روايته أو شروطه.

    *الخلاصة: فاتورة الغياب*
    غياب السودان منذ أكتوبر 2021 . يعني:

    1. *خسارة تمويل*: أكثر من 270 مليار يورو استثمارات أوروبية وفرنسية تم توزيعها دون أن يكون للسودان مشروع واحد.

    2. *خسارة رسم الأجندة*: ملفات الزراعة والطاقة والرقمنة والربط الإقليمي تُكتب الآن بدون السودان.
    ٦… و قد سبق أن غاب السودان من عدة محافل اقتصادية و إستثمارية منذ انقلاب اكتوبر ٢٠٢١. جمعت الإتحاد الافريقي مع عدد من شركاء التنمية… قمتين مع امريكا… و كذلك مع فرنسا و اليابان و الاتحاد الأوروبي و قمة واحده مع إيطاليا…
    كل هذا الغياب الكارثي و نحن في بل بس و جغم بس !!!!!!

    و لا نجد ذكرى و لا إشارة لهذه الكارثة في المشهد السياسي.. لا سياسيا و لا دبلوماسيا و لا إعلاميا.

    فماذا يعني ذلك؟
    كل ذلك امتداد إعادة إنتاج و لعزلة ضربت السودان و اقعدت اقتصاده لثلاثين عاما من حكم الإنقاذ.
    يعني أن السودان، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى كل دولار وكل شراكة وكل تقنية لإعادة بناء الكهرباء والمياه والطاقة، كان خارج كثير من المنصات التي تُصنع فيها الشراكات وتُعبّأ فيها التمويلات.

    بينما كانت دول أفريقية أخرى تجلس مع البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وشركاء التنمية، تعرض مشروعاتها وتحصل على التمويل والخبرة والدعم الفني، كان السودان منشغلاً بالحرب، معزولاً عن كثير من مسارات التعاون، ثم يأتي البعض ليقول لنا إن حل أزمة الكهرباء هو:

    «أعيدوا الكيزان إلى إدارة الكهرباء».

    يا سبحان الله!

    أي عقل هذا الذي يستطيع أن يختزل أزمة بهذا الحجم في الولاء السياسي للموظف؟

    إن الكفاءة مطلوبة، نعم.

    لكن حتى أكفأ مهندس في العالم لا يستطيع أن يعيد تشغيل محطة دمرتها الحرب من دون تمويل.

    ولا يستطيع أن يؤمّن خطوط النقل التي تعرضت للتخريب.

    ولا يستطيع أن يمنع طائرة مسيرة من قصف منشأة كهرباء.

    ولا يستطيع أن يعيد السودان إلى برامج البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي بمجرد أن يحمل بطاقة حزبية مختلفة.

    ولا يستطيع أن يحصل على تمويل دولي بينما الحرب مستمرة ومشروعات البنية التحتية معرضة للتدمير.

    لذلك فإن الكفاءة الحقيقية ليست بديلاً عن السلام، كما أن الولاء السياسي ليس علاجاً للحرب.

    نعم، نحتاج إلى كفاءات لإدارة الكهرباء.

    لكننا نحتاج قبل ذلك إلى إنهاء الحرب.

    ونحتاج إلى إعادة بناء الدولة.

    ونحتاج إلى استعادة علاقات السودان الطبيعية مع المجتمع الدولي والإقليمي.

    ونحتاج إلى العودة إلى مؤسسات التمويل والتنمية الأفريقية والدولية.

    ونحتاج إلى استعادة الثقة التي تسمح لشركاء التنمية بأن يضعوا أموالهم في السودان وهم مطمئنون إلى أن المشروعات التي يمولونها لن تتحول إلى أهداف عسكرية.

    ثم بعد ذلك، وبعد أن تتوافر البيئة الآمنة والتمويل والتكنولوجيا، نضع أفضل الكفاءات السودانية في مواقعها، أياً كان انتماؤها السياسي أو الفكري.

    إسلامي؟ أهلاً به إذا كان كفؤاً ونزيهاً.

    قحاتي؟ أهلاً به إذا كان كفؤاً ونزيهاً.

    مستقل؟ أهلاً به.

    يساري؟ أهلاً به.

    ولا يهمنا إلى أي جهة ينتمي.

    المهم: ماذا يعرف؟ ماذا يستطيع؟ وهل يعمل للسودان أم للحزب؟

    وهنا تحديداً تصبح عبارة النحاس «الكفاءة قبل المعيار السياسي» صحيحة.

    لكنها تصبح خطأً فادحاً عندما تستخدم لإخفاء الحقيقة الأكبر:

    أزمة الكهرباء ليست أزمة كيزان وقحاتة.

    إنها أزمة حرب وانقلاب وعزلة وتمويل وبنية تحتية مدمرة.

    ولهذا فإن الحل الجذري لا يبدأ من تغيير مدير أو وزير، وإنما يبدأ من إنهاء الحرب، واستعادة الدولة لعلاقاتها الإقليمية والدولية، وعودة السودان إلى مسارات التمويل والتنمية، ثم إعادة بناء مؤسساته على أساس الكفاءة والمهنية لا الولاء السياسي.

    أما اختزال كل ذلك في إقالة شخص أو إعادة تعيين آخر، فهو ببساطة:

    هروب إلى الأمام.. وذر للرماد في العيون.. ودفن للرؤوس في الرمال..
    عليه الحل ليس في شماعة ضعاف النفوس أو القحاتة أو تجار الطاقة الشمسية اعراض أزمة الكهرباء. الحل في حل الازمة السودانية و مخاطبة جذورها و استعادة السودان لمكانه الطبيعي في الأسرة الدولية و محيطه الإقليمي.

    الي الحلقة الثالثة… و الحديث عن مقال مقارنه مغلوطة بين حكم عامين انتقالي و حقبة ثلاثين عاما.