حين تتحول هويتنا إلى مادة للسخرية

  • بتاريخ : 11 أغسطس، 2026 - 8:21 ص
  • الزيارات : 3
  • بقلم / م.م الإمام عبداللطيف الإمام

    علينا أن ندرك أن الإعلام لا يؤثر في الشعوب من خلال السياسة والأخبار فقط، بل قد يتسلل إليها أحيانًا من بوابة الترفيه والضحك. فالصورة التي تبدو بسيطة وعابرة قد تترك أثرًا في الذاكرة، ومع تكرارها قد تتحول إلى صورة ذهنية راسخة لدى الآخرين.

    *ومن هذا المنطلق، أجد نفسي رافضًا لما نشاهده من مقاطع وصور تُظهر القرود وهي ترتدي الزي السوداني وتتحدث باللهجة السودانية، وتضع هذه الرموز في سياق ساخر يهدف إلى إضحاك المشاهد*.

    قد يرى البعض في هذه المقاطع مجرد فكاهة لا تستحق كل هذا الاهتمام، وقد لا يكون القصد منها الإساءة المباشرة إلى السودانيين، وهذا أمر يمكن تفهّمه. لكن القضية في رأيي لا تتعلق فقط بنية من أنتج المقطع، وإنما أيضًا بالرسالة التي تحملها الصورة وأثر تكرارها.

    *فالجلابية والطاقية واللهجة السودانية ليست مجرد تفاصيل شكلية، وإنما هي جزء من ثقافتنا وهويتنا وتراثنا. وعندما يتم ربط هذه الرموز بصورة متكررة بمشاهد ساخرة، فإن ذلك قد يساهم، ولو من غير قصد، في تكوين صورة نمطية عن الإنسان السوداني وثقافته*.

    نحن لا نرفض الفكاهة، ولا نعترض على استخدام الحيوانات في الأعمال الكوميدية، ولا نريد أن نفقد قدرتنا على الضحك. فالسودانيون أنفسهم من أكثر الشعوب حبًا للفكاهة وخفة الظل. لكن هناك فرقًا بين الفكاهة التي تصنع الابتسامة، والسخرية التي تنتقص من هوية أو ثقافة شعب.

    *كما أن مسؤوليتنا لا تتوقف عند رفض هذه المقاطع، بل تمتد إلى طريقة تعاملنا معها. فإعادة نشر المحتوى بهدف انتقاده قد تمنحه في النهاية انتشارًا أكبر، ولذلك من الأفضل أن نعبر عن رفضنا له دون أن نكون سببًا في توسيع انتشاره*.

    السودان بلد عريق، له تاريخ وحضارة وثقافة وتقاليد ولهجة مميزة، وأهله أصحاب قيم وإنجازات تستحق أن يعرفها العالم. ومن حقنا أن نرى هذه الهوية تُقدَّم بصورة تليق بها، لا أن تختزل في مشاهد ساخرة متكررة.

    لسنا ضد الضحك، ولسنا ضد الإبداع، وإنما نرفض أن تتحول هويتنا السودانية إلى مادة للسخرية. ونريد أن نضحك مع الآخرين، لا أن تكون هويتنا هي التي يُضحك عليها.