بقلم/ الطيب مضوي شيقوق- المحامي والمستشار القانوني
يثور إشكال قانوني يستحق البحث عندما يلجأ مسؤول حكومي إلى القضاء للمطالبة بحق يدعيه لنفسه بصفته الشخصية، ثم تتولى أجهزة الدولة القانونية تمثيله أو الدفاع عن مصالحه الشخصية هذه أمام المحكمة.
وتكمن أهمية هذه المسألة في ضرورة التمييز بين الشخصية الاعتبارية للدولة، والصفة الوظيفية للمسؤول العام، وذمته وحقوقه الشخصية؛ إذ إن تولي الوظيفة العامة لا يؤدي إلى اندماج المصالح الخاصة لشاغلها في مصالح الدولة، ولا يجعل كل نزاع يكون طرفاً فيه نزاعاً حكومياً بالضرورة.
فالمسؤول الحكومي قد يتصرف في إطار وظيفته العامة، وقد يتصرف بصفته الشخصية، ولكل من الصفتين أحكامها وآثارها القانونية. فإذا أقام المسؤول دعوى للمطالبة بحق شخصي، أو لجبر ضرر يدعي أنه أصابه في شخصه أو اعتباره، فإن مجرد شغله منصباً عاماً لا يكفي، في حد ذاته، لإضفاء الصفة الحكومية على الدعوى. أما إذا كان النزاع ناشئاً عن أداء واجباته الرسمية، أو تعلق بحقوق الدولة ومصالحها، فإن الأمر يختلف بحسب طبيعة النزاع والنصوص القانونية المنظمة للتمثيل القضائي.
وعليه، فإن العبرة في تحديد طبيعة الدعوى ليست بالمنصب الذي يشغله رافعها وحده، وإنما بحقيقة الحق المطالب به، ومصدره، والصفة التي يباشر بها الدعوى.
إن تمثيل الدولة أمام القضاء يختلف من حيث الأساس القانوني عن تمثيل المسؤولين الحكوميين في منازعاتهم الخاصة. فأجهزة الدولة القانونية تمارس اختصاصاتها لتحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها، وفي الحدود التي رسمتها التشريعات المنظمة لعملها. ولا يجوز افتراض امتداد اختصاصها إلى كل مصلحة شخصية لمسؤول عام لمجرد ارتباطه الوظيفي بالدولة.
ومن ثم، فإن تولي جهة حكومية تمثيل مسؤول في دعوى شخصية يقتضي التحقق من وجود سند قانوني يجيز ذلك، ومن مدى اتصال النزاع بأداء واجباته الرسمية، ومن طبيعة الخدمة القانونية المقدمة إليه. ولا يكفي، في هذا المقام، الاستناد إلى مكانة المسؤول الوظيفية أو إلى طبيعة منصبه لتبرير التمثيل، بل ينبغي أن يستند الأمر إلى اختصاص قانوني محدد.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة في الدعاوى الجنائية، حيث يجب التمييز بين اختصاص النيابة العامة بمباشرة الدعوى الجنائية وفقاً للقانون، وبين تمثيل الشاكي في المطالبة بحقوقه الشخصية. فمباشرة النيابة العامة للدعوى الجنائية لا تعني بالضرورة أنها أصبحت وكيلاً عن الشاكي في جميع مصالحه الخاصة، كما أن وجود مصلحة شخصية للشاكي لا ينفي، بذاته، حق النيابة في ممارسة اختصاصاتها القانونية متى توافرت شروطها.
وبالتالي، فإن تحديد مشروعية أي تدخل قانوني يقتضي النظر إلى طبيعة الإجراء المتخذ، وصفة الجهة التي اتخذته، والسند التشريعي الذي تستند إليه. فالخلط بين الاختصاص الأصيل للنيابة العامة في الدعوى الجنائية وبين تمثيل المصالح الشخصية للشاكي قد يؤدي إلى نتائج قانونية غير دقيقة.
ويثير تمثيل المسؤول الحكومي في دعوى شخصية سؤالاً إضافياً يتعلق بمدى جواز تخصيص الموارد القانونية والبشرية الممولة من المال العام لخدمة مصلحة خاصة. فالموظفون العموميون والجهات القانونية الحكومية يؤدون أعمالهم في إطار اختصاصاتهم المحددة قانوناً، وتخضع موارد الدولة لمقتضيات المشروعية والمصلحة العامة.
لذلك، إذا تولت جهة حكومية تقديم خدمات قانونية لمسؤول في نزاع شخصي لا يتصل بواجباته الرسمية، فإن مشروعية ذلك تقتضي التحقق من وجود أساس قانوني يجيزه. ولا يعني ذلك أن كل مساعدة قانونية تقدم لمسؤول عام تمثل مخالفة؛ فقد تجيز التشريعات، في حالات محددة، تقديم مثل هذه المساعدة. وإنما المقصود أن الأمر لا يجوز أن يقوم على افتراض مطلق بأن المسؤول يستحق التمثيل الحكومي في جميع أحواله.
وإذا تبين أن جهة قانونية حكومية تولت تمثيل مسؤول في دعوى شخصية دون سند يخولها ذلك، فإن الأمر يثير مسألة تجاوز حدود الاختصاص، ومدى مشروعية الإجراء المتخذ، والآثار التي يرتبها القانون عليه. غير أن تحديد هذه الآثار يتطلب التمييز بين صحة إجراءات التقاضي ذاتها، وصحة صفة الممثل القانوني، ومدى جواز استخدام موارد الدولة في النزاع. فلا يلزم من وجود خلل في أساس التمثيل بطلان الدعوى تلقائياً؛ إذ يتوقف الأثر القانوني على طبيعة المخالفة، والنصوص الواجبة التطبيق، والقواعد الإجرائية المنظمة لها.
إن شاغل الوظيفة العامة يتمتع بحقوقه الشخصية، ويجوز له اللجوء إلى القضاء لحمايتها وفقاً للقانون، لكنه لا يكتسب، بمجرد توليه منصباً عاماً، حقاً مطلقاً في الاستعانة بأجهزة الدولة القانونية للدفاع عن مصالحه الخاصة. وفي المقابل، لا يجوز استبعاد التمثيل الحكومي لمجرد أن المسؤول أقام الدعوى باسمه الشخصي؛ فقد يكون النزاع متصلاً بواجباته الرسمية، أو يكون هناك نص قانوني خاص يجيز تقديم المساعدة القانونية.
ومن ثم، فإن الفصل في المسألة يستلزم فحص ثلاثة عناصر أساسية: طبيعة الدعوى، وما إذا كانت تتعلق بحق شخصي محض أو بحق للدولة أو بمصلحة تتداخل فيها الصفتان؛ وسند التمثيل، وما إذا كان يوجد نص قانوني يجيز للجهة الحكومية المعنية تولي هذا التمثيل؛ ثم نطاق الاختصاص، للتحقق مما إذا كان الإجراء المتخذ يدخل في حدود الاختصاص القانوني للجهة التي باشرته.
إن احترام سيادة حكم القانون يقتضي الفصل بين المركز الوظيفي للمسؤول الحكومي ومركزه القانوني بوصفه شخصاً طبيعياً، كما يقتضي عدم الخلط بين اختصاص الدولة في حماية مصالحها العامة وحق الأفراد في حماية مصالحهم الخاصة.
فالوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، والمال العام ليس مورداً خاصاً لشاغلي المناصب العامة، والاختصاص القانوني لا يُفترض ولا يُستمد من المكانة الوظيفية، وإنما يُحدد وفقاً للقانون.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى حكم قانوني قاطع بشأن جواز تمثيل مسؤول حكومي في دعوى بعينها يظل رهناً بفحص النصوص التشريعية المنظمة للتمثيل القضائي، وطبيعة الدعوى، والسند الذي قامت عليه إجراءات التمثيل.
إن المسألة، في جوهرها، ليست انتقاصاً من حق المسؤول العام في اللجوء إلى القضاء، ولا تشكيكاً في حقه في حماية سمعته وحقوقه الشخصية، وإنما هي تأكيد على أن الوظيفة العامة أمانة ومسؤولية، وأن ممارسة الاختصاصات المرتبطة بها يجب أن تظل محكومة بمبدأ المشروعية، وبالفصل الواضح بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
فهل تصبح الدولة محامياً عن المصالح الشخصية للمسؤولين، أم أن سيادة حكم القانون تقتضي أن يكون لكل اختصاص حدوده، ولكل صفة آثارها، ولكل مورد عام غايته التي خُصص من أجلها؟
إن الإجابة لا تُستمد من مكانة الأشخاص أو مناصبهم، وإنما من القانون وحده.







إرسال تعليق