بقلم / د. حيدر معتصم مدني
“مركز الخرطوم للحوار”
قلنا طوال هذه السلسلة:
المجتمع هو صاحب الدولة.
وقلنا:
المجتمع يؤسس، والدولة تنظم، والسلطة تُفوَّض، والحكومة تدير، والسياسة تتنافس.
لكن كلمة «المجتمع» نفسها تحتاج الآن إلى سؤال.
من هو المجتمع؟
هل هو الشعب؟
هل هو مجموع المواطنين؟
هل هو السكان؟
هل هو الأمة؟
هل هو الجمهور؟
هل هو المجتمع المدني؟
أم أن كل واحدة من هذه الكلمات تصف مستوى مختلفاً من الحقيقة نفسها؟
السؤال ليس لغوياً فقط.
لأن النظرية التي تقول:
الدولة للمجتمع
لا تستطيع أن تترك مفهوم «المجتمع» غامضاً.
فإذا لم نعرف صاحب الحق، لن نعرف كيف يمارس حقه.
*الكلمات المتشابهة لا تعني* *الشيء نفسه*
في الخطاب العام نستخدم كلمات:
الشعب،
المجتمع،
المواطنون،
السكان،
الأمة،
الجمهور،
وكأنها مترادفات.
لكنها ليست كذلك تماماً.
قد تشير جميعها إلى البشر الذين يعيشون في المجال نفسه، لكنها تنظر إليهم من زوايا مختلفة.
وهذا الفرق مهم جداً.
لأن الدولة لا تتعامل مع «السكان» بالطريقة نفسها التي نتحدث بها عن «المواطنين».
والسياسة لا تستخدم «الشعب» بالطريقة نفسها التي يستخدم بها علم الاجتماع «المجتمع».
والأمة قد تمتد تاريخياً وثقافياً إلى ما يتجاوز الحدود القانونية للدولة.
إذن نحن أمام:
طبقات مختلفة للانتماء والوجود والعلاقة.
*السكان: الوجود البشري في* *المكان*
لنبدأ بالمفهوم الأبسط.
السكان وصف ديموغرافي في الأساس.
إنهم الأشخاص الموجودون داخل إقليم معين خلال زمن معين وفق التعريف المستخدم.
والسكان يمكن:
عدهم،
وتوزيعهم جغرافياً،
ودراسة أعمارهم،
وحركتهم،
واحتياجاتهم،
وأنماط معيشتهم.
لكن وجود ملايين البشر في مساحة جغرافية واحدة لا يكفي وحده لصناعة مجتمع قادر على تأسيس دولة.
فالجغرافيا تجمع البشر.
لكن:
العلاقة هي التي تصنع المجتمع.
*الناس: الحقيقة الإنسانية قبل* *المؤسسة*
«الناس» أوسع وأبسط.
الناس هم البشر في وجودهم الإنساني المباشر.
قبل أن نسأل عن:
الجنسية،
والعضوية السياسية،
والتمثيل،
والتفويض.
ولهذا كانت نقطة البداية في معادلتنا:
الناس.
لكن الناس قد يعيشون معاً دون أن يمتلكوا إرادة مشتركة منظمة.
ومن هنا كان انتقالنا:
من الناس إلى المجتمع.
*المواطن: الفرد داخل الدولة*
أما المواطن فيدخلنا إلى مستوى آخر.
المواطن ليس مجرد شخص يعيش في الإقليم.
إنه صاحب عضوية قانونية وسياسية في الدولة، بما يرتبط بها من حقوق وواجبات وفق نظامها القانوني.
وهذا مفهوم شديد الأهمية؛ لأنه يمنع ذوبان الإنسان داخل الجماعة.
فالدولة لا تتعامل فقط مع «مجتمع» مجرد.
بل مع:
أفراد لهم حقوق أصلية ومحمية.
ولهذا فإن أي نظرية تجعل المجتمع صاحب الدولة يجب ألا تحول المواطن إلى ملك للمجتمع.
فكما قلنا:
الدولة ليست ملك السلطة،
ينبغي أن نقول أيضاً:
الإنسان ليس ملك الجماعة.
*الشعب: من أكثر الكلمات* *قوة… وغموضاً*
ثم نصل إلى كلمة:
الشعب.
وهي من أقوى الكلمات في السياسة.
باسم الشعب تقوم الثورات.
وباسم الشعب تُجرى الانتخابات.
وباسم الشعب تُكتب الدساتير.
وباسم الشعب تمارس السلطات.
لكن من هو الشعب؟
هل هو كل المواطنين؟
أم الأغلبية؟
أم من شاركوا في الثورة؟
أم الناخبون؟
أم من انتخبوا الحكومة؟
أم من خرجوا إلى الشارع؟
هنا تبدأ المشكلة.
لأن «الشعب» يمكن أن يكون مفهوماً جامعاً، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى أداة استحواذ لغوي.
أخطر عبارة: «الشعب يريد»
العبارة ليست خاطئة في ذاتها.
وقد تعبّر في لحظات تاريخية عن اتجاه اجتماعي واسع.
لكن السؤال المنهجي يظل:
كيف عرفنا أن هذه هي إرادة الشعب؟
من قاسها؟
وبأي وسيلة؟
وفي أي موضوع؟
ولأي مدة؟
وهل الذين لم يشاركوا خرجوا من الشعب؟
وهل الأقلية التي رفضت القرار أصبحت أقل ملكية للدولة؟
هنا تظهر ضرورة الانتقال من:
ادعاء إرادة الشعب
إلى:
مأسسة إنتاج الإرادة المجتمعية.
الشعب ليس الأغلبية
الأغلبية آلية مهمة لاتخاذ القرارات.
لكنها ليست مرادفاً للشعب.
إذا حصل خيار سياسي على 60% من الأصوات، فإن الأربعين بالمائة الباقية لم تخرج من الشعب.
والأغلبية لا تصبح:
الوطن.
إنها أغلبية داخل الوطن.
ولهذا كانت قاعدتنا:
الفائز يفوز بالسلطة المفوضة، لا بملكية الدولة.
وهذا الفرق هو أحد أهم الضمانات التي تجعل الخسارة السياسية ممكنة دون أن تتحول إلى خسارة وجودية.
*الجمهور ليس المجتمع*
هناك مفهوم آخر:
الجمهور.
قد يتشكل الجمهور حول:
حدث،
أو قضية،
أو قائد،
أو خطاب،
أو وسيلة إعلام،
أو موجة رأي.
والجمهور يمكن أن يكون واسعاً جداً.
لكن الجمهور حالة من التفاعل لا تكفي وحدها لإنتاج مجتمع مؤسس.
يمكن للجمهور أن يتجمع بسرعة.
وأن يتفرق بسرعة.
وأن يتحمس.
وأن يغضب.
وأن يغير موقفه.
أما الدولة فتحتاج إلى شيء أكثر استقراراً:
مؤسسات وقواعد وذاكرة وتفويض ومسؤولية.
*الحشد ليس المجتمع*
وهنا نحتاج إلى تمييز أكثر حساسية.
قد يملأ مئات الآلاف الشوارع.
وهذا حدث اجتماعي وسياسي بالغ الأهمية.
لكن:
الحشد ليس المجتمع كله.
الحشد يعبر عن نفسه.
وقد يعبر عن اتجاه واسع.
لكن حجمه وحده لا يحوله تلقائياً إلى صاحب الحق الوحيد في تعريف الدولة.
وإلا جعلنا القدرة على التعبئة معياراً للملكية التأسيسية.
ومن يستطيع الحشد أكثر يصبح أكثر ملكية للوطن.
وهذا يعيدنا إلى منطق القوة الذي حاولنا تجاوزه.
والأمة؟
*كلمة الأمة أكثر تعقيداً.*
يمكن أن تحمل معنى دينياً.
أو تاريخياً.
أو ثقافياً.
أو حضارياً.
أو قومياً.
وقد تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
ولهذا لا ينبغي استخدامها بلا تحديد.
فالأمة قد تمنح الإنسان عمقاً حضارياً وهوية تاريخية، لكن الدولة تحتاج كذلك إلى تحديد واضح:
من هم أعضاء جماعتها السياسية المتساوون في المواطنة؟
وقد تتقاطع الأمة مع الدولة.
لكنها ليست بالضرورة مرادفاً قانونياً لها.
*المجتمع المدني ليس* *المجتمع*
وقد مررنا بهذه النقطة في المقال السابق، لكنها تستحق التثبيت هنا.
المجتمع المدني جزء من المجتمع.
ولا يجوز أن يتحول الجزء إلى الكل.
المنظمات،
والنقابات،
والجمعيات،
والروابط،
والكيانات المهنية،
وغيرها من المؤسسات المدنية،
كلها أوعية مهمة للتنظيم.
لكنها لا تستنفد المجتمع.
ولا تملك تلقائياً حق التحدث باسم كل من لا ينتمي إليها.
إذن… ما المجتمع؟
يمكن الآن الاقتراب من تعريف أكثر دقة.
المجتمع ليس مجرد:
مجموع الأفراد.
وليس:
حشداً.
وليس:
أغلبية.
وليس:
منظمة.
وليس:
حزباً.
وليس:
مؤسسات المجتمع المدني وحدها.
المجتمع هو:
شبكة البشر والعلاقات والمؤسسات والقيم والمصالح والروابط التي تنشأ بين أفراد يعيشون في مجال مشترك، ويصبحون قادرين ـ بدرجات متفاوتة ـ على إدراك ما يجمعهم وتنظيم شؤونهم وإنتاج إرادة مشتركة في المسائل التي تستوجب فعلاً جماعياً.
لكن هذا التعريف لا يعني أن كل مجتمع أصبح تلقائياً قادراً على تأسيس دولة.
وهنا يظهر التمييز الحاسم.
*المجتمع موجود…والمجتمع* *المؤسس يُبنى*
هذه نقطة ربما تكون من أهم نتائج السلسلة.
السودانيون ليسوا في حاجة إلى أن يأتي أحد ليخلق لهم مجتمعاً.
المجتمع موجود تاريخياً واجتماعياً وثقافياً.
لكن السؤال هو:
هل اكتملت قدرته المؤسسية على ممارسة حقه التأسيسي؟
وهذا شيء آخر.
يمكن أن يوجد المجتمع اجتماعياً بينما تكون قدرته على:
إنتاج إرادة عامة،
وتحديد التفويض،
وبناء التمثيل،
ومراقبة السلطة،
واسترداد التفويض،
ضعيفة أو مجزأة.
إذن ينبغي أن نميز بين:
وجود المجتمع
و:
قدرته التأسيسية.
*من المجتمع الاجتماعي إلى* *المجتمع المؤسس*
يمكن أن نرسم الرحلة هكذا:
وجود بشري
↓
علاقات اجتماعية
↓
شعور بالمشترك
↓
اعتراف متبادل
↓
تنظيم
↓
مؤسسات
↓
تمثيل
↓
تفويض
↓
إرادة مجتمعية
↓
قدرة تأسيسية.
وهنا يصبح المجتمع قادراً ليس فقط على الوجود، بل على:
الفعل بوصفه مجتمعاً.
لكن هل للمجتمع إرادة واحدة؟
لا.
وهذا جواب مهم.
المجتمع ليس عقلاً واحداً.
ولا ينبغي أن يصبح كذلك.
له ملايين الإرادات.
وآلاف المصالح.
وتصورات مختلفة.
ومذاهب.
وثقافات.
ومناطق.
وأجيال.
إذن عندما نقول:
الإرادة المجتمعية
لا نقصد إذابة هذه الإرادات.
بل نقصد:
القدرة على إنتاج قرار مشترك في المسائل التي لا يمكن إدارة الحياة المشتركة دون قرار فيها.
وهذا فرق جوهري.
ليست كل قضية بحاجة إلى إرادة عامة
هذه نقطة تحمي الفرد من المجتمع.
ما يأكله الإنسان لا يحتاج إلى عقد اجتماعي.
وما يقرأه.
وكثير مما يعتقده.
وخيارات واسعة من حياته الخاصة.
كلما وسعنا مجال الإرادة العامة بلا ضرورة، ضيقنا مجال الحرية.
إذن السؤال ليس:
كيف نجعل المجتمع يقرر كل شيء؟
بل:
ما الأشياء التي لا يمكن أن يعيش المجتمع المشترك دون أن يقررها معاً؟
وهنا تبدأ حدود العقد الاجتماعي.
*الفرد يسبق بعض قرارات* *المجتمع*
إذا كان الإنسان يمتلك كرامة وحقوقاً، فإن المجتمع لا يصنع إنسانيته.
المجتمع ينظم العيش المشترك بين البشر.
لكنه لا يمنح الإنسان قيمته الأصلية ثم يستطيع سحبها.
وهذا يمنع مفهوم «سيادة المجتمع» من التحول إلى استبداد جماعي.
فالعلاقة ليست:
المجتمع فوق الفرد.
ولا:
الفرد منفصل عن المجتمع.
بل:
فرد حر داخل مجتمع مشترك.
من الفرد إلى المجتمع إلى الدولة
يمكن أن نرى الآن ثلاث دوائر:
الفرد
صاحب الكرامة والحقوق والمساحة الخاصة.
المجتمع
مجال العلاقات والتعاون وإنتاج المشترك.
الدولة
البنية القانونية والمؤسسية التي تنظم ذلك المشترك وتمارس الوظائف المفوضة.
ثم داخل الدولة:
السلطة
وهي ليست الدولة نفسها.
وهكذا تصبح المعادلة:
الفرد ↔ المجتمع ↔ الدولة ↔ السلطة.
والخلل يبدأ عندما تبتلع دائرة الدائرة الأخرى.
السلطة لا تبتلع الدولة
والدولة لا تبتلع المجتمع.
والمجتمع لا يبتلع الفرد.
هذه ثلاث قواعد يمكن أن تصبح من ركائز النظرية.
السلطة أصغر من الدولة.
الدولة أصغر من المجتمع في معنى المصدر الاجتماعي الذي أنشأها.
والمجتمع لا يملك إنسانية الفرد.
وهكذا يصبح البناء متوازناً من الطرفين.
فكما نحمي المجتمع من استبداد الدولة، نحمي الفرد من استبداد الجماعة.
إذن من صاحب الدولة؟
يمكن الآن أن نجيب بدقة أكبر.
إذا قلنا:
الشعب صاحب الدولة،
فنحن نستخدم التعبير في معناه السياسي الجامع.
وإذا قلنا:
المواطنون أصحاب الدولة،
فنحن نؤكد المساواة الفردية في العضوية.
وإذا قلنا:
المجتمع صاحب الحق التأسيسي،
فنحن نركز على الكيفية التي يتحول بها هؤلاء الأفراد إلى فاعل جماعي قادر على إنتاج المجال المشترك.
ليست هذه الإجابات متناقضة.
إنها مستويات مختلفة.
ويمكن جمعها في صياغة واحدة:
المواطنون متساوون في أصل العضوية والحقوق، ويكوّنون مجتمعاً ينتج عبر مؤسساته وإجراءاته المشروعة إرادته التأسيسية، ويظهر سياسياً بوصفه الشعب صاحب السيادة.
وهكذا لا نحتاج إلى اختيار كلمة وإلغاء الأخريات.
بل إلى وضع كل واحدة في مستواها.
من هو صاحب الحق إذن؟
ليس:
الحزب.
ولا الحكومة.
ولا الجيش.
ولا النخبة.
ولا المنظمة.
ولا الأغلبية وحدها.
ولا الحشد.
ولا الجيل الحالي بوصفه مالكاً أبدياً للمستقبل.
صاحب الحق هو:
مجتمع من المواطنين المتساوين في العضوية، القادر عبر مؤسساته وإجراءاته المشروعة على إنتاج إرادته المشتركة دون إلغاء تعدده أو حقوق أفراده.
لكن لاحظ العبارة:
القادر عبر مؤسساته.
وهنا تبدأ المشكلة التالية.
لأن المجتمع غير المؤسس لا يستطيع الكلام بوصفه مجتمعاً
يمكن أن يكون الحق واضحاً.
لكن من يمارسه؟
كيف تتحول ملايين الإرادات إلى فعل جماعي دون أن يحتكرها أحد؟
كيف تنتقل الإرادة من:
الحي،
والقرية،
والمدينة،
والمهنة،
والجامعة،
والنقابة،
والتنظيم الأهلي،
والجمعية،
إلى مجال وطني مشترك؟
كيف يحدث ذلك دون أن ننشئ حزباً باسم المجتمع؟
ودون أن ننشئ مجلساً مركزياً يحتكره؟
ودون أن تتحول المؤسسات المجتمعية إلى واجهات للأحزاب؟
ودون أن يصبح المال طريقاً لشراء التمثيل؟
هذه ليست أسئلة تمثيل فقط.
إنها أسئلة:
*بناء صاحب الدولة*
من «من صاحب الدولة؟» إلى «كيف يصبح صاحبها قادراً؟»
هنا نصل إلى النقلة الكبرى في المرحلة الثانية من السلسلة.
في المرحلة الأولى قلنا:
استردوا حقكم.
أما الآن فلا يكفي ذلك.
نحتاج إلى السؤال:
كيف نبني القدرة على ممارسة هذا الحق؟
فالملكية بلا قدرة يمكن أن تصبح شعاراً.
والسيادة بلا مؤسسة يمكن أن تصبح نصاً.
والإرادة بلا تنظيم يمكن أن تصبح موجة.
والاحتجاج بلا بناء يمكن أن يعود إلى نقطة البداية.
ولهذا فإن المقال التالي لا ينبغي أن يسأل:
من يملك الدولة؟
فقد أصبح الجواب أكثر وضوحاً.
بل:
كيف يؤسس المجتمع نفسه؟
من الكتلة البشرية إلى القدرة المؤسسية
وهنا سندخل إلى واحدة من أصعب حلقات النظرية كلها:
كيف يتحول المجتمع من صاحب حق إلى فاعل قادر، دون أن يصنع في أثناء ذلك نخبة جديدة تستولي على الحق الذي خرج المجتمع لاسترداده؟
لأن الدولة لا تبدأ فقط بمجتمع يريدها.
بل بمجتمع:
قادر على أن يريد معاً، وقادر على تحويل إرادته إلى مؤسسة، وقادر على منع المؤسسة من أن تتحول إلى سيد جديد عليه.







إرسال تعليق