أديس..حوار بلا وطن (5)
*ولماذا لا تُبنى الهويات* *الوطنية داخل الأحزاب* *السياسية؟*
د. حيدر معتصم مدني
“إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار”
من أخطر الأسئلة التي واجهت السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم سؤال ظل حاضرًا في عمق الصراع السياسي حتى حين لم يُطرح بصورة مباشرة:
من يملك حق تعريف الدولة؟
هل هي الأحزاب؟
أم السلطة؟
أم النخب؟
أم الجماعات الأيديولوجية؟
أم المجتمع نفسه؟
وفي تقديري أن جزءًا كبيرًا من الأزمة السودانية يعود إلى أن القوى السياسية تعاملت مع الدولة باعتبارها مشروعًا قابلًا لإعادة التعريف كلما تغيرت موازين القوة السياسية.
ولهذا لم يتحول السودان إلى وطن مستقر المرجعية، بل ظل ساحة مفتوحة لصراع مستمر حول:
هوية الدولة،
وطبيعة المجتمع،
ومعنى الوطنية،
وحدود السيادة،
ومصدر الشرعية.
وهنا فقدت السياسة حدودها الطبيعية.
لأن وظيفة الأحزاب السياسية ليست تعريف الدولة.
وإنما التنافس على إدارة الدولة داخل إطار وطني متفق عليه مسبقًا.
أما تعريف الدولة نفسها فهو عملية أعمق بكثير من المجال الحزبي.
لأنه يرتبط بـ:
الذاكرة التاريخية،
والهوية الجمعية،
والتجربة الحضارية،
والثقافة العامة،
والبنية الاجتماعية،
والعقد الاجتماعي الذي يُنتجه المجتمع عبر الزمن.
أي أن الدولة لا تُعرَّف داخل الأحزاب…
بل تُعرَّف داخل المجتمع.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تسمح للأحزاب باحتكار تعريف:
الوطن،
أو الهوية،
أو الوطنية،
أو معنى الدولة نفسها.
لأن الأحزاب بطبيعتها كيانات تنافسية منحازة لرؤاها ومصالحها وبرامجها.
بينما تعريف الدولة يحتاج إلى مرجعية أوسع وأعمق من التنافس السياسي المؤقت.
لكن ما حدث في السودان هو أن الأحزاب ـ بمختلف اتجاهاتها ـ حاولت أن تتحول من:
أدوات إدارة…
إلى أدوات تأسيس.
أي أنها لم تكتفِ بالتنافس على السلطة، بل حاولت أيضًا:
إعادة تشكيل المجتمع،
وصياغة الهوية،
وتحديد من هو الوطني ومن هو غير الوطني،
بل وإعادة تعريف معنى الدولة نفسها.
وهنا دخل السودان في أزمة تأسيس مستمرة.
لأن كل جماعة سياسية كانت ترى أن الدولة الحقيقية هي الدولة التي تشبه تصورها الخاص.
فالإسلامي أراد دولة تُعرَّف من خلال مشروعه الأيديولوجي.
واليساري أراد دولة تُعرَّف من خلال رؤيته الفكرية.
والجهوي أعاد تعريف الدولة عبر المظلومية الجغرافية.
والقبلي أعاد تعريفها عبر الانتماء الأهلي.
والنخبوي أعاد تعريفها وفق تصوره الثقافي الخاص.
وفي النهاية ضاع الوطن بين مشاريع التعريف المتصارعة.
ولهذا لم تنشأ في السودان “فكرة دولة” مستقرة تعلو فوق الجماعات.
بل بقيت الدولة نفسها محل نزاع دائم.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول كل مرحلة سياسية في السودان إلى محاولة جديدة لإعادة تعريف:
الوطن،
والهوية،
والشرعية،
والمجتمع.
لأن المرجعية الوطنية الجامعة لم تُنجز بصورة مكتملة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين:
المجال المجتمعي…
والمجال السياسي.
فالمجتمع هو الذي ينتج المرجعية الوطنية العامة عبر:
تاريخه،
وثقافته،
ومؤسساته المدنية والأهلية،
وتجربته المشتركة،
وتراكم وعيه الجمعي.
أما السياسة فهي تتحرك داخل هذه المرجعية، لا فوقها.
لكن حين تضع الأحزاب نفسها فوق المجتمع، فإنها تبدأ في التعامل مع الدولة باعتبارها:
غنيمة فكرية،
أو مشروعًا أيديولوجيًا،
أو أداة لإعادة تشكيل الناس.
وهنا يتحول التنافس السياسي إلى صراع على هوية المجتمع نفسه.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تصبح هويتها رهينة للصراع الحزبي.
لأن الهوية الوطنية لا تُبنى بالأغلبية السياسية المؤقتة.
ولا تُفرض بالقوة.
ولا تُحتكر بواسطة جماعة مهما كانت.
بل تُبنى عبر التوافق المجتمعي الطويل والتجربة الوطنية المشتركة.
ومن هنا فإن واحدة من أكبر مشكلات السودان أن سؤال:
“من يحكم؟”
ظل يتقدم دائمًا على سؤال:
“ما هي الدولة أصلًا؟”
ولهذا كانت كل جماعة تصل إلى السلطة تحاول إعادة تعريف الدولة من جديد.
فلم تتراكم الدولة…
ولم تستقر المرجعية…
وظل المجتمع يعيش داخل حالة دائمة من الاستقطاب وإعادة التعريف.
ولذلك فإن بناء الدولة الحديثة يبدأ أولًا بإخراج تعريف الدولة من سوق التنافس الحزبي.
أي تحويل:
الهوية،
والسيادة،
والثوابت الوطنية،
ومرجعية الدولة،
إلى منطقة فوق السياسة.
منطقة يصنعها المجتمع لا الأحزاب.
لأن الوطن لا ينبغي أن يكون ملكًا لتصور أيديولوجي واحد.
ولا يمكن أن يتحول إلى دولة مستقرة إذا ظل معروضًا في كل مرحلة باعتباره مشروعًا قابلًا لإعادة الاختراع.
فالدول لا تُبنى على الغلبة السياسية…
بل تُبنى على وجود مرجعية وطنية يشعر الجميع أنهم جزء منها.
وحين يفشل المجتمع في إنتاج هذه المرجعية…
تتحول السياسة إلى معركة لا تنتهي على تعريف الوطن نفسه.











إرسال تعليق