الحاج قسم البدوي: عطاءٌ يبني المستقبل ويجدد الأمل

  • بتاريخ : 13 يونيو، 2026 - 7:41 ص
  • الزيارات : 14
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق المحامي

    تختلف صور العطاء من إنسان إلى آخر، لكن أسمى هذه الصور وأبقاها أثرًا هي تلك التي تستثمر في الإنسان نفسه، وتفتح أمامه أبواب العلم والمعرفة. فالأموال قد تُنفق في وجوه متعددة، غير أن ما يُبذل في التعليم يظل أثره ممتدًا عبر الأجيال، يثمر عقولًا واعية، ويبني مستقبلًا أكثر إشراقًا للمجتمعات.

    وفي زمنٍ تشتد فيه حاجة المجتمعات إلى النماذج الملهمة، تبرز المبادرات التي تجعل من الخير مشروعًا مستدامًا، ومن العطاء رسالةً تتجاوز حدود الحاضر إلى آفاق المستقبل. ومن بين هذه النماذج المضيئة تبرز المبادرة الكريمة التي أطلقها الحاج قسم البدوي الحسن وحرمه الحاجة نفيسة عبد الله العجب، بتشييد مدرستين متوسطتين؛ إحداهما للبنين تحمل اسم الحاج قسم البدوي الحسن، والأخرى للبنات تحمل اسم الحاجة نفيسة عبد الله العجب.

    ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تقتصر على تشييد مبانٍ جديدة، بل تعبر عن رؤية عميقة لقيمة العلم ودوره في صناعة الإنسان وبناء الأوطان. فكل فصل دراسي يُقام هو نافذة جديدة على المعرفة، وكل مقعد دراسي يُوضع هو فرصة إضافية لطفل أو طفلة كي يشق طريقه نحو مستقبل أفضل.

    وقد عُرف الحاج قسم البدوي الحسن بين الناس بحبه للخير وحرصه على الإسهام فيما يعود بالنفع على المجتمع، فجاء هذا المشروع ليترجم عمليًا تلك القيم النبيلة التي نشأ عليها، وليؤكد أن الانتماء الحقيقي للأهل والوطن لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالأفعال التي تبقى آثارها حاضرة في حياة الناس.

    ولا تأتي هذه المبادرة المباركة بمعزلٍ عن مسيرةٍ سابقة من العطاء، فقد سبق للحاج قسم البدوي الحسن أن أسهم في تشييد فصلٍ دراسي بمدرسة البردانة الثانوية، تأكيدًا لاهتمامه بالتعليم وإيمانه العميق بدوره في بناء الإنسان. كما أسهم في تشييد مسجدٍ كبير بالقرية، جاء وفق تصميم هندسي مميز أبدع في وضعه الباشمهندس بشير عبد الغني شيقوق، فكان إضافةً معماريةً وروحيةً بارزةً للمجتمع المحلي. ومن ثم فإن مشروع المدرستين الجديدتين يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج الكريم، وتعبيرًا متجددًا عن التزامه بخدمة مجتمعه وأهله، وإسهامه المتواصل في دعم مشروعات التعليم والعبادة والتنمية المجتمعية.

    كما أن هذا العطاء لا ينفصل عن الإرث الاجتماعي الراسخ الذي عُرفت به قرية البردانة، تلك القرية التي أنجبت رجالًا من أهل الخير والإحسان أمثال فتح الرحمن الجزولي وعبد الله بشير الكناني و اخوانه ، وغيرهم من أبناء القرية الذين جُبلوا على أعمال البر والتكافل وخدمة الناس. فقد ظلت البردانة، جيلاً بعد جيل، تقدم نماذج مشرقة للعمل الخيري والإنساني، حتى أصبح العطاء فيها ثقافةً متوارثة وقيمةً راسخة يتناقلها الأبناء عن الآباء، ويجسدونها في واقع حياتهم ومبادراتهم لخدمة المجتمع.

    ولذلك يمكن النظر إلى مبادرة الحاج قسم البدوي الحسن وحرمه الحاجة نفيسة عبد الله العجب باعتبارها حلقةً جديدة في سلسلة طويلة من أعمال البر التي عُرفت بها البردانة وأهلها، وسهمًا جديدًا يضاف إلى رصيد القرية في خدمة التعليم والتنمية والإنسان.
    فهي مبادرة تنطلق من الجذور نفسها التي أنبتت رجال الخير في الماضي، وتمتد لتؤكد أن قيم العطاء لا تزال حية ومتجددة في نفوس الأبناء.
    كما أن إطلاق اسم الحاجة نفيسة عبد الله العجب على مدرسة البنات يحمل دلالة إنسانية راقية، تعكس روح الوفاء والتقدير، وتؤكد أن مسيرة العطاء ليست جهد فردٍ واحد، وإنما هي ثمرة شراكة أسرية تقوم على المحبة والإيمان بقيمة العمل الصالح وخدمة المجتمع.
    إن بناء المدارس ليس مشروعًا عمرانيًا فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، وأحد أعظم أبواب الصدقة الجارية. فالمباني قد تشيخ مع مرور الزمن، أما العلم الذي يخرج من بين جدرانها فيظل متجددًا ومتدفقًا ما تعاقبت الأجيال. وكم من طبيب أو مهندس أو معلم أو عالم سيبدأ رحلته من هذه المدارس، وكم من أسرة سيتغير مستقبلها بفضل فرصة تعليم أُتيحت لأبنائها وبناتها.

    وإذا كانت بعض الأعمال يقتصر أثرها على زمانها ومكانها، فإن الأعمال المرتبطة بالعلم تتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنها تسهم في بناء العقول وصناعة الوعي وإعداد أجيال قادرة على حمل مسؤولية المستقبل. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لهذه المبادرة المباركة التي اختارت أن تستثمر في الإنسان، وهو أغلى ما تملكه الأمم.

    إن ما قام به الحاج قسم البدوي الحسن وحرمه الحاجة نفيسة عبد الله العجب ليس مجرد مشروع بناء، بل رسالة أخلاقية وإنسانية واجتماعية بليغة، تؤكد أن خير ما يتركه الإنسان بعده أثرٌ نافع يبقى بين الناس، وأن أعظم ما يُورث للأجيال ليس المال، بل الفرص التي تمكنهم من التعلم والنهوض وتحقيق أحلامهم. وفي ذلك يبقى العطاء الحقيقي هو الذي يصنع أثرًا يتجاوز أصحابه، ويظل حاضرًا في حياة الناس جيلاً بعد جيل.