بقلم / الطيب مضوي شيقوق
“محامي- مستشار قانوني”
حين تضيق شرعية الحكم، يتسع الخطاب عن الوطن. فتصبح الكلمات أكبر من الواقع، وتتحول المفاهيم الجامعة — الدولة، الوطن، الشعب — إلى مظلةٍ لغوية تستظل بها السلطة أكثر مما تستند إليها. غير أن الوطن، في حقيقته، ليس شعارًا يُرفع عند الأزمات، ولا لافتة تُستدعى كلما اهتزّ الرضا العام، بل هو مجموع الإرادات الحيّة التي تشعر بأنها ممثَّلة ومحفوظة الكرامة داخل نظام الحكم؛ ذلك المعنى الذي اقترب منه فلاسفة العقد الاجتماعي حين اعتبروا الدولة اتفاقًا معنويًا بين الناس قبل أن تكون جهازًا للحكم. فقد رأى الفيلسوف جان جاك روسو، – صاحب نظرية العقد الاجتماعي- أن السيادة لا تسكن القصور بل تقيم في الإرادة العامة، حيث لا تكتسب السلطة مشروعيتها إلا بقدر ما تعبّر عن مجموع الإرادات الحرة لا عن صوتٍ واحدٍ يتحدث باسمها.
إن ادعاء الشرعية باسم الشعب يفترض، ابتداءً، وجود شعبٍ راضٍ أو على الأقل قادرٍ على التعبير الحر عن رضاه ورفضه. أما حين يتسع نطاق السخط، أو يشعر قطاع واسع من المواطنين بأنهم خارج معادلة القرار، فإن استدعاء اسم الشعب يصبح أقرب إلى المصادرة الرمزية لإرادته، لا التعبير عنها. وهنا يتقاطع الواقع السياسي مع ما قرره الفيلسوف John Locke حين ربط شرعية الحكم بحماية حقوق الأفراد، معتبرًا أن السلطة تفقد أساسها الأخلاقي متى عجزت عن تمثيل مصالح المجتمع الذي أنشأها. فالشعب لا يُختزل في خطاب رسمي، ولا يُقاس حضوره بعدد المؤيدين في المنابر، بل بمدى شعوره بأنه شريكٌ في الدولة لا مجرد متلقٍ لقراراتها.
المشكلة لا تبدأ عندما تعلن السلطة أنها تمثل الوطن، بل عندما يصبح الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على الوطن ذاته. هنا يحدث الخلط الأخطر: يذوب الفرق بين الدولة والنظام، وبين الولاء للأرض والولاء للحاكم. وقد نبّه عالم الاجتماع الألماني Max Weber إلى أن السلطة لا تقوم على القوة وحدها، بل على الاعتقاد الجماعي بشرعيتها؛ فإذا استمرت أدوات الحكم بينما تراجع هذا الاعتقاد، بقيت الدولة قائمة شكلاً لكنها تدخل أزمة معنى. وفي تلك اللحظة يتحول النقاش السياسي من سؤالٍ عن الأداء والشرعية إلى اختبارٍ للانتماء الوطني، فتضيق مساحة الحوار ويتسع مجال الاتهام.
إن الشرعية ليست وثيقة تُمنح مرة واحدة، ولا لقبًا دائمًا يُحفظ بالتكرار، بل علاقة ثقة متجددة بين الحاكم والمحكوم. وهي — كما رأى Antonio Gramsci — لا تستقر بالقوة وحدها، بل بتوازنٍ دقيق بين السلطة والرضا؛ فإذا غاب الرضا، بدأت الهيمنة في التصدع مهما بدت مؤسسات الدولة متماسكة. فإذا تآكلت هذه الثقة، لا يعيد بناءها استدعاء الرموز الكبرى ، بل إعادة فتح الطريق أمام الإرادة العامة لتُعبّر عن نفسها بوسائل حرة وعادلة. فالوطن لا تحميه الشعارات، وإنما تحميه العدالة، ولا يحفظ الدولةَ صوتٌ واحد، بل تعدد الأصوات داخل إطارٍ يجمعها.
وفي النهاية، يبقى الوطن أكبر من كل سلطة، ويبقى الشعب أعمق من كل خطاب؛ لأن الدولة التي تخشى سؤال الرضا الشعبي إنما تخشى مرآتها، لا خصومها — فالدولة، كما فهمها Georg Wilhelm Friedrich Hegel، لا تكتمل إلا باعترافٍ متبادل بينها وبين مجتمعها؛ فإذا انكسر هذا الاعتراف، لم تعد الأزمة صراعًا سياسيًا فحسب، بل سؤالًا عن معنى الدولة نفسها.











إرسال تعليق