بقلم /د .حيدرمعتصم مدني
مركز الخرطوم للحوار
منذ استقلال السودان ظل الصراع السياسي يدور غالبًا حول سؤال:من يحكم؟
بينما السؤال الأعمق الذي لم يُحسم فعليًا هو:
ما المرجعية التي تحكم الجميع أصلًا؟
ولهذا بقيت الدولة السودانية تتحرك داخل دوائر متكررة من:
الانقلاب،
والثورة،
والانتقال،
والانقسام،
ثم إعادة إنتاج الأزمة.
لأن المشكلة لم تكن فقط في الأشخاص أو الحكومات… بل في غياب المرجعية الوطنية المشتركة التي تعلو على الجميع.
وهنا تظهر أهمية فكرة:
العقد الاجتماعي
ليس بوصفه نصًا قانونيًا فقط، بل بوصفه “اتفاقًا وطنيًا عميقًا” حول:
معنى الدولة،
وحدود السلطة،
وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة،
والمرجعيات الحاكمة للخلاف الوطني.
*ما هو العقد الاجتماعي؟*
العقد الاجتماعي ليس مجرد دستور مكتوب، ولا صفقة سياسية مؤقتة، ولا اتفاق تقاسم سلطة.
بل هو: التوافق المجتمعي الكبير الذي يحدد:
كيف نعيش معًا؟
وما الذي يجمعنا؟
وما الذي لا يجوز تجاوزه مهما اختلفنا؟
أي أنه المرجعية العليا التي تتحرك السياسة داخلها، لا فوقها.
*الفرق بين الدولة التي* *يحكمها العقد الاجتماعي*…
*والدولة التي تحكمها* *الأيديولوجيا*
الدولة التي يحكمها العقد الاجتماعي:
تسمح بالتنوع،
وتحمي التعدد،
وتُنظم الخلاف،
وتمنع الاحتكار.
أما الدولة التي تحكمها الأيديولوجيا، فغالبًا ما تحاول:
إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور واحد،
واحتكار تعريف الوطنية،
وتذويب التعدد داخل مشروعها الخاص.
وهنا يبدأ الصدام المستمر.
*السودان وأزمة المرجعية*
السودان لم يفشل فقط بسبب ضعف الحكومات، بل بسبب غياب “المرجعية الوطنية المتفق عليها”.
فكل تيار كان يدخل السلطة وهو يحمل تصورًا مختلفًا جذريًا حول:
هوية الدولة،
ووظيفتها،
وعلاقتها بالدين،
وبالثقافة،
وبالمجتمع،
وبالعالم الخارجي.
وبالتالي لم تكن الأزمة مجرد تنافس سياسي… بل صراعًا على تعريف الدولة نفسها.
ولهذا كانت كل مرحلة انتقالية تبدو وكأنها: “إعادة تأسيس كاملة للسودان” لا: “تداول طبيعي داخل دولة مستقرة”.
*لماذا يفشل الحل السياسي* *وحده؟*
لأن الحلول السياسية تعالج:
توزيع السلطة،
وتقاسم النفوذ،
وترتيبات الحكم.
لكنها لا تعالج دائمًا:
سؤال المرجعية،
وطبيعة الدولة،
وحدود الصراع،
وما الذي يجمع المجتمع فوق السياسة.
ولهذا تنهار كثير من الاتفاقات سريعًا، لأن الأطراف المختلفة ما تزال تختلف في الأساسيات الكبرى.
*العقد الاجتماعي ليس إلغاءً* *للاختلاف*
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالعقد الاجتماعي لا يعني:
توحيد الناس فكريًا،
أو إلغاء الأحزاب،
أو إنهاء التنوع،
أو صناعة نسخة واحدة من المجتمع.
بل يعني: الاتفاق على القواعد التي تجعل الاختلاف ممكنًا دون انهيار الدولة.
أي: كيف نختلف… دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب وجودية؟
*المرجعية الأعلى:المصلحة* *الوطنية لا الانتصار* *الأيديولوجي*
الدول المستقرة لا تُبنى على انتصار دائم لتيار واحد، بل على وجود مرجعية تجعل الجميع يدرك أن:
بقاء الدولة أهم من كسب الجولة السياسية،
والاستقرار الوطني أهم من الانتصار الحزبي،
والمجتمع أكبر من الأيديولوجيا.
أما حين تصبح الأيديولوجيا أعلى من الوطن، فإن السياسة تتحول إلى صراع مفتوح بلا سقف.
*العقد الاجتماعي يبدأ من* *المجتمع لا من السلطة*
وهذه من أهم النقاط التي غابت طويلًا في التجربة السودانية.
فالعقد الاجتماعي الحقيقي لا يُفرض من فوق، ولا يُكتب فقط داخل غرف السياسة، بل ينشأ من:
وعي المجتمع،
وتوافقاته،
ومصالحه العليا،
وإدراكه المشترك لطبيعة الدولة التي يريدها.
ولهذا فإن بناء العقد الاجتماعي يحتاج إلى:
حوار مجتمعي واسع،
ونخب فكرية مستقلة،
ومؤسسات مجتمع قوية،
ومساحات ثقة وطنية.
لا مجرد اتفاق سياسي عابر.
*لماذا يحتاج السودان إلى* *عقد إجتماعي..؟*
لأن السودان اليوم لا يعيش فقط أزمة حكم… بل أزمة تعريف للدولة نفسها.
أزمة:
من نحن؟
وما الذي يجمعنا؟
وما حدود السلطة؟
وما المرجعية العليا؟
وما الذي لا يجوز أن يتحول إلى محل صراع دائم؟
ومن دون معالجة هذه الأسئلة، ستظل كل التسويات السياسية
مؤقتة وقابلة للانفجار.
*معركة السودان القادمة:*
*بناء المرجعية الوطنية* *المشتركة*
وهذه ربما أخطر وأعمق معركة في المرحلة القادمة.
لأن النجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في:
إيقاف الحرب،
أو تشكيل حكومة،
أو إجراء انتخابات.
بل في قدرة السودانيين على بناء: “فكرة مشتركة للدولة” تسمح للجميع بالعيش داخلها دون خوف من الإقصاء أو الهيمنة أو الاختطاف.
وهنا يصبح العقد الاجتماعي: ليس مجرد وثيقة… بل نقطة التحول من:
دولة الصراع المفتوح، إلى:
دولة التوازن الوطني المستقر.
وربما هنا تبدأ الخطوة الأولى الحقيقية نحو سودان جديد: لا تحكمه الأيديولوجيات المتصارعة، بل تحرسه مرجعية وطنية أعلى من الجميع.











إرسال تعليق