عدم سقوط جرائم المال العام بالتقادم

  • بتاريخ : 17 مايو، 2026 - 1:24 م
  • الزيارات : 25
  •  

    بقلم / دكتور الزبير حمزة الزبير
    المملكة العربية السعودية- استاذ جامعي

    يعتبر المال العام أساساً من أسس قيام الدولة واستمرار مؤسساتها فهو المورد الذي تبني به المدارس والمستشفيات والطرق وتمول به الخدمات التي ينتفع بها جميع أفراد المجتمع ولهذا فإن الاعتداء على المال العام لا ينظر إليه باعتباره جريمة عادية تمس فرداً بعينه بل يعد اعتداء على حقوق المجتمع كله وعلى الثقة المفترضة في الوظيفة العامة ومؤسسات الدولة.
    ومن أخطر ما يميز جرائم المال العام أنها غالباً ترتكب في الخفاء ويحيط بها التزوير أو استغلال النفوذ أو إساءة استعمال السلطة مما يجعل اكتشافها يحتاج إلى وقت طويل وتحقيقات معقدة لذلك اتجهت كثير من التشريعات الحديثة إلى التشدد في التعامل مع هذه الجرائم، سواء من حيث العقوبات أو من حيث عدم سقوطها بالتقادم.
    ويقصد بالتقادم مرور مدة زمنية معينة علي وقوع الجريمة دون اتخاذ إجراءات قانونية بحيث يؤدي ذلك في بعض الجرائم إلى سقوط الدعوى أو العقوبة غير أن جرائم المال العام تختلف عن غيرها لأن آثارها لا تنتهي بمرور الزمن فالضرر الذي تحدثه يبقى قائماً ما دامت الأموال المنهوبة لم تسترد وما دامت الثقة العامة قد تعرضت للاهتزاز.
    إن القول بعدم سقوط جرائم المال العام بالتقادم يعكس حرص الدولة على حماية مقدراتها ومحاسبة كل من تسول له نفسه العبث بثروات المجتمع كما أن هذا المبدأ يبعث برسالة واضحة مفادها أن الفساد لا يمكن أن يصبح مشروعاً بمرور الوقت وأن الجاني سيظل عرضة للمساءلة مهما طال الزمن.
    وقد أثبت الواقع أن كثيراً من قضايا الفساد المالي لا تُكتشف إلا بعد سنوات طويلة إما بسبب تعقيد العمليات المالية أو بسبب استغلال بعض المتورطين لنفوذهم الوظيفي لإخفاء الأدلة ولو كانت هذه الجرائم تسقط بالتقادم سريعاً لأصبح الإفلات من العقاب أمراً ممكناً ولتحول التقادم إلى وسيلة لحماية الفاسدين بدلاً من تحقيق العدالة.
    كذلك فإن حماية المال العام ليست مسؤولية الجهات الرقابية وحدها بل هي واجب مجتمعي تشترك فيه مؤسسات الدولة والمواطنون ووسائل الإعلام فكل إهمال أو صمت تجاه الفساد يفتح الباب أمام هدر الموارد وتعطيل التنمية وإضعاف ثقة الناس في العدالة.
    فإن عدم سقوط جرائم المال العام بالتقادم يمثل مبدأ ضرورياً لحماية حقوق الأجيال وصيانة هيبة القانون ويؤكد أن المال العام أمانة لا يجوز التهاون في حمايتها وأن العدالة تبقى قائمة مهما امتد الزمن.