صناعات مفقودة في السودان .. هي سبب انهيار قيمة الجنيه 

  • بتاريخ : 30 أبريل، 2026 - 5:59 م
  • الزيارات : 10
  •  الصفر البارد || د. جلال الدين محمد أحمد

     

    مشكلة السودان أن كل الحكومات التي مرت عليه منذ الاستقلال وحتى اليوم، مبنيّة فكرتها على رفع الإيرادات الحكومية عبر فرض (الجبايات)، وليس على الفكر الإنتاجي الصناعي أو التحويلي؛ لأن العمل بالجبايات لا يحتاج إلى عقول مفكرة أو عبقرية. فتلك سياسات كانت منذ عهد الحكم العثماني وعهد (جنود الباشبوزق (Bashi-bazouk))، وهم من كانوا ينفذون عمليات جمع الجبايات بالقوة، ثم انضمت إليهم مجموعات جنود البازنجر (البازنقر) في جمع الجبايات حتى من أهلهم، وحاربوا الشعب السوداني بهم. فجنود البازنجر هم سودانيون تحت الحكم العثماني، بينما جنود الباشبوزق هم أتراك.

    🛑 – وليست المشكلة في الجبايات فحسب، بل ماذا بعد جمع الجبايات؟ أين يتم صرفها؟! وعلى من تُصرف؟! وما هو العائد على الشعب من هذه الجبايات من تنمية وبنية تحتية؟ هنا مربط الفرس (وفي رواية أخرى: هنا مربط إبليس).

    فالبلاد بها مقومات صناعات متعددة، أقلها وأبسطها يتمثل في صناعات إعادة تدوير النفايات. ولو قامت وزارة الصناعة بالاهتمام بها، فهي فقط تكفي أن تدخل للبلاد إيرادات تفوق 15 مليار دولار من تدوير مواد مرمية في القمامة. ولكن لمن نقرع الأجراس؟! ومن يسمع حديثنا، والكل هو عبقري وعالم، ونحن ضعنا عمرنا في مجال الصناعات ميدانياً، ولكن صوتنا لا يُسمع لمن في يده القلم.

    كلنا نعلم أن السودان يمتلك أكبر مقومات لأن يكون دولة صناعية كبرى في القارة الإفريقية، فهو يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، وثروة حيوانية هائلة، وكنوزاً من المعادن والمواد الأولية النادرة. لكن واقع الاقتصاد السوداني اليوم يحكي قصة مختلفة تماماً؛ قصة “دولة تصدر المواد الخام” وتصدر ثرواتها في صورة أولية، وتستورد منتجات مصنعة من نفس المواد الخام التي تصدرها. وتجار يفرحون بصادر الخامات، والهم الأكبر هو أن يصبحوا أصحاب مليارات، ومش مهم مصير البلاد والشعب؛ فالبعض يعمل بموجب قانون (نفسي نفسي، ومن بعدي الطوفان).

    عندما يصدر السودان أي مادة في حالتها الخام، فإن عائدها لا يتجاوز نسبة ضئيلة من قيمتها الحقيقية بعد التصنيع. فمثلاً، تُصدّر اللحوم الحية بأعداد ضخمة إلى مصر والدول المجاورة. تغادر هذه اللحوم السودان وهي في صورة “حيوانات حية” قليلة الثمن نسبياً، لتذهب إلى مسالخ ومصانع هناك. تستفيد منها مصر أقصى استفادة، حيث تذبحها وتصنعها وتُصدرها إلى الأسواق العالمية باسمها، بعد أن تسوقها كـ”لحوم عضوية صحية 100%”، لأنها تربت في بيئة طبيعية على المراعي السودانية الخالية من المواد المعدّلة وراثياً والأعلاف الصناعية الضارة. هنا، تربح مصر القيمة المضافة، بينما يخسر السودان ثروة هائلة كان يمكن أن يوفرها لو أقام مصانع متطورة لتعبئة وتصنيع اللحوم وصناعة المعلبات واللحوم المجمدة عالية الجودة.

    🛑 – الأمر نفسه يتكرر مع السمسم السوداني الذي يشتهر بجودته العالمية. تُشحن مئات الآلاف من الأطنان سنوياً إلى الخارج في صورة حبوب خام، بينما كان بالإمكان تصنيعه داخل السودان إلى عشرات المنتجات ذات العائد المجزي. أضعف الإيمان كان يمكن استخراج زيت السمسم الطبي والغذائي عالي القيمة، وإنتاج الطحينية التي تدخل في أشهر الأكلات، وصناعة الحلويات والبروتينات الصحية. كل تلك الصناعات غائبة، مما يجعل العائد من طن السمسم لا يتجاوز أضعافاً قليلة مما لو تم تحويله إلى زيت وطحينة الخ. الخ .

     

    🛑 – ومن العجائب أن السودان يملك واحدة من أنقى خامات (رمال السيليكا SiO2) في العالم، وهي المادة الأساسية لصناعة الزجاج بكافة أنواعه، بدءاً من زجاج النوافذ والسيارات وصولاً إلى الزجاج المقاوم للحرارة وألياف البصر. وبكل أسف، فإن السودان يستورد كل احتياجاته من المنتجات الزجاجية من الخارج، وكأنه لا يملك هذه المادة تحت أقدامه. إنها مفارقة موجعة لدولة تغرق في الرمال الثمينة وتستورد الزجاج من الخارج.

     

     

    🛑 – أما الصمغ العربي، الذي لا يزال السودان يحتكر الجودة والكمية الإنتاجية الأكبر عالمياً والأفضل منه عالمياً، فقصته أغرب من الخيال. تخيل، يُهرب ويُصدّر في صورة خام (دمعات أو شوائب)، ليذهب إلى مصانع في الخارج، خاصة في مصر، حيث يتم طحنه وتنقيته وتعبئته إلى مساحيق وبودرة متعددة المقاسات والنعومة، ليُباع بأسعار تتضاعف أضعافاً. مصر لم تعد مجرد وسيط عابر، بل شريك صناعي حقيقي استفاد من غياب التصنيع السوداني، وأعاد تصدير الصمغ المصنّع إلى العالم بأسعار تليق بقيمته.

     

     

    🛑 – مصيبتنا تكمن فيما يلي :-

     

    ثم تأتي الحكومات وتشتكي بأن الجنيه السوداني قد انهار، بينما الحكومات هي السبب لأنها لا تحسن التخطيط. ويدّعي كل من استلم منصب مسؤول بأنه هو العبقري الأوحد الذي يمكنه أن ينقذ السودان ويرفع من قيمة الجنيه، فإذا به يفشل ويكرر ذات الفشل الذي كان في الحكومات السابقة، ولا يحسم أمر الصناعة المفقودة.

     

     

    اخر المداد :-

     

    🛑 – ولو كنت أنا المسؤول لكان قراري هو التالي:-

    أن يُفتح الباب على مصراعيه في مجانية الجمارك لكل من يؤسس صناعة غير موجودة في البلاد، كما تُمنح الأرض الصناعية مجاناً ! !، وتُوصّل له الخدمات (الكهرباء والماء مجاناً في التوصيل، ويدفع فاتورة الاستهلاك). ثم كل المعدات والمواد الخام الإضافية يُمنح فيها جمارك مجانية، ويُحتسب قيمة مضافة ( 15 % ) يدفعها للحكومة في كل فاتورة يتم البيع من المصنع. فإن هذا ما يقفل باب الاستيراد، ويوقف الطلب على الدولار بموجب الإنتاج المحلي وليس بموجب القرارات غير المدروسة التي تساهم في فتح أبواب التهريب للمواد التي تم منع استيرادها ،، وقرارات تسبب في رفع الأسعار على المستهلك المحلي. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

    فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.