حاطب ليل || د. عبد اللطيف البوني
صديقنا الراحل المقيم سعد الدين ابراهيم في الصحافة (النشوف اخرتا) في الدراما(حكاية من حلتنا) في الشعر الغنائي (عن حبيبتي بقولكم) و(العزيزة الما بتسال عن ظروفنا) رحمك الله يا سعد فقد كنت كتلة إبداع ، سعد استحلف الصحفيين ذات مرة الا يكتبوا بيت المتنبيء (عيد باية حال عدت يا عيد بما مضى ام بامر فيك تجديد) ، لانه في تقديره لم يعطوه حقه من الفهم العميق الذي رمى اليه المتنبيء ، هذا البيت الذي ظل صامدا طوال هذه القرون أعظم دليل على شاعرية ابو الطيب التي لم يطولها شاعر منذ فجر العربية الى يوم الناس هذا ، ويكفي ان ابو العلاء المعري والبروفسير عبد الله الطيب رغم تباعد الزمن بينهما عندما يقول الواحد منهما قال الشاعر فإنه يشير إلى المتنبي لا الى شاعر غيره فهو الوحيد عندهما المعرف بالألف واللام ..
ليسمح لنا حبيبنا سعد بأننا لن نستطيع تجاوز بيت المتنبي اليوم لأسباب شكلية وموضوعية فمن حيث الشكل فالمتنبيء قال بيته هذا وهو في مصر ونحن اليوم في مصر مع الفارق فإن كان هو في صحاريها فنحن في حاضرتها وان كان هو يحن لسيف الدولة فنحن نحن الى أهلنا ، الذي يوحد بيننا البعد الموضوعي فقد كان المتنبي هائما في بيداء دونها بيد ، يومه مثل امس وامسه مثل غده ، رتابة شديدة ولكن رغم ذلك شعر بأن يوم العيد يوم غير عادي بعبارة أخرى الاحساس بالعيد نبع من داخله ليس من الظرف الذي حوله لذلك استجوبه وبغلظة وجفوة ، هل لديك جديد ام جئت كالعادة خالي الوفاض ؟ يلا يروح خلينا في حالنا طالما أنك لن تغير فيها ، أو كما غنى ابو آمنة حامد عند الجابري (جايي تعمل ايه معانا …؟) ..
هكذا كان حالنا وحال كل متغرب عن مضارب الاهل ولمة الحبان (عدت يا عيد بدون زهور .. وين سمرنا وين البدور غابو عني) كما قال محمد عوض الكريم القرشي عند عثمان الشفيع ..
لقد تضافرت علينا الغربة وحال بلادنا التي لاتسر صديقا ولا عدوا فالحرب فيها تطاولت فيها وتمددت وهلاك الحرث والنسل مستمر ، والان جابت ليها حرب أخرى حولنا مع تماس مع حربنا إذ مدت زراعها للكرمك وكان دار الريح الفاشر لم تشبعها ، فأصبحنا نعيش حربين في لحظة واحدة فكيف لا يصبح (الهم قريبنا) وكيف لا نستجوب العيد ونعاتبه لا بل نعنفه ، كيف لانشكو عنده حزننا ، وبعدنا عن الاهل وخوفنا على البلد ..
بالنسبة لي شخصيا هذا ثالث عيد على التوالي وانا خارج البلاد ، فقد خرجت من البلاد في قبايل عيد الفطر الماضي يعني الان سنة ميلادية كاملة بره السودان ، يوم عيد الغربة يوم هم وغم لان لواعج الشوق يوم العيد يصعب احتمالها وكم هناك فرق بين ان تكون وحيدا وسط جزء من أسرتك الصغيرة بين أربعة حيطان وبين ان تكون وسط مئات ان لم نقل الاف الناس تعيد على هذا ويعيد عليك ذاك ، تزور من هو أكبر منك سنا ويزورك من هو أصغر منك ، البيوت والطرقات تموج بالبشر ويذكرك العيد احبابا رحلوا ولكن فرحة عيون الأطفال تذهب عنك الأحزان ولكننا الان ومنذ ان غادرنا البلاد نتلقى كل يوم والثاني خبر رحيل قريب أو حبيب ، انه موسم الموت السوداني ، دون عيون أطفال تخفف عنك ، فما أكثرها من زعازع وما اقلها من اوتاد ، في العيدين السابقين اختليت بنفسي (رجعت خليت الدموع يرتاحوا مني ينزلوا) كما قال الحلنقي عند وردي في رحلة عصافير الخريف ، لكن في هذا العيد تحجرت الدموع في مقلتي فلم ترتاح مني ولم ارتاح منها ، وهكذا كان يوم العيد وعندما حل المساء وعدى يوم العيد ورجعت معاناة الغربة العادية ، حمدت الله فمعاناة اخف من معاناة ..
ومع كل الذي تقدم طاف بي (طايف) أثناء مغالبة يوم العيد رأيت فيه بلادنا وهي تخرج من القاع الذي حتلت فيه متجهة الي أعلى رأيتها وهي تخرج من رماد الحربين نافضة جناحيها مثل طائر الفينيق رأيتها وهي تمزق ما كانت ترتديه من لباس البؤس والخوف وهي تخطو في ثبات نحو الإمام ، أظن وليس كل الظن إثم ان لدي ما يجعل احلام اليقظة هذه مرجوة ولنترك هذا لمناسبة أخرى ..
اللهم يا الله أن عبادك في السودان قد أخذوا كوتتهم من الأحزان والحرمان والهوان على الناس ، اللهم اعد العيد عليهم ورشدهم قد عاد لهم ، اللهم اعد العيد عليهم وهم تأميين ولاميين وسالمين ، وفي ربوعك متجدعين وفي سوحك لاعبين ، ومن مياهك شاربين ، وفي أرضك زارعين .
#مدينة_ألتي











إرسال تعليق