بقلم / محمد أبو مُرام
مهندس زراعي
عشرون عاماً… والدندر تدفع ثمن التردد. عشرون خريفاً وخور ود الحسن يقطع شريان الاقتصاد، ويعزل القرى، ويهدد أرواح المرضى والنساء الحوامل، بينما تكتفي الجهات المسؤولة كل عام بردمياتٍ ترابيةٍ مؤقتة، تبتلعها المياه في ساعات، وتبتلع معها المال العام وكرامة المواطن وثقة الناس في الدولة.
لم يعد مقبولاً وصف ما يحدث بأنه “مشكلة موسمية”.
ما يحدث هو فشل إداري وهندسي متكرر، سببه غياب القرار الجاد، *وغياب الدراسة العلمية التي تحترم طبيعة الأرض وحركة المياه.*
*المشكلة ليست في الخور… بل في طريقة معالجته*
الخور يؤدي وظيفته الطبيعية حين يجري ويفيض في موسم الأمطار.
أما الخطأ الحقيقي فهو الإصرار على معالجة مجرى مائي مندفع بردميات ترابية هشة، ثبت عملياً أنها لا تصمد أمام أول اندفاع قوي للمياه.
لقد أثبت الواقع أن الردميات غير المدعومة بالتكسية الحجرية أو الحماية الهندسية المناسبة تنهار سريعاً، ومع ذلك يتكرر المشهد ذاته كل عام:
• صرفٌ بمليارات الجنيهات،
• أعمال إسعافية مؤقتة،
• ثم انهيار جديد مع أول اختبار حقيقي للخريف.
هذه لم تعد أخطاء عابرة… بل أصبحت سياسة مكلفة لإعادة إنتاج الفشل.
*الحل موجود… لكنه يحتاج إلى قرار شجاع*
الحل ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى إرادة تنفيذ، *واحترام للرأي الهندسي المتخصص.*
وهو أن تقوم حكومة ولاية سنار، عبر الإجراءات القانونية والفنية المعتمدة، *بتكليف بيت خبرة هندسية متخصص لإعداد دراستين منفصلتين ومتكاملتين:*
*أولاً: معالجة منطقة الهشاشة بالردمية*
إجراء دراسة هندسية دقيقة للمنطقة التي تتعرض للجرف سنوياً، ووضع تصميم نهائي يمنع تكرار الانهيار مستقبلاً، وذلك عبر أحد الحلول التالية أو ما توصي به الدراسة الفنية:
• تدعيم وتقوية الردمية الحالية وفق الوصف الهندسي الذي يوصي به بيت. الخبرة ،
• تنفيذ تكسية حجرية هندسية للردميةعلى الجانبين حسب توصية بيت الخبرة ،
• إنشاء وتنفيذ حمايات ضد التعرية،
على أن يكون الهدف الأساسي هو:
منع جرف المنشأة وضمان استقرارها أثناء أقصى حالات التصريف المائي.
*ثانياً: معالجة الطريق بصورة مستدامة*
تشييد كبري ـ وفق توصية بيت الخبرة في المواقع التي تقطعها المياه بعد انهيار الردميات، بحيث تُصمم وفق المعايير الآتية:
• استيعاب أقصى حجم متوقع لتدفقات المياه،
• تأسيس هندسي مقاوم للتعرية والانجراف،
• حمولة تسمح بمرور الشاحنات الثقيلة والآليات الزراعية،
• توفير مسارات آمنة للمواطنين والمشاة،
• وضمان استمرارية الحركة طوال العام دون انقطاع.
*الدراسة الفنية يجب أن تراعي الآتي*
أي حل جاد لا بد أن يستند إلى دراسة علمية متكاملة تراعي:
• التصريفات القصوى التاريخية للخور،
• مناسيب الفيضان واحتمالات التغير المناخي،
• طبيعة التربة والأساسات،
• مقاومة التعرية والانجراف،
• السلامة المرورية،
• واستدامة التشغيل والصيانة.
أما الاجتهادات الموسمية والحلول الوقتية، فقد أثبتت فشلها بما لا يدع مجالاً للجدل.
*التمويل موجود… ولم يعد غيابه عذراً*
*أولاً: التمويل الذاتي عبر رسوم المحاصيل*
المطلوب إصدار قرار ولائي بتخصيص رسوم المحاصيل بمحلية الدندر بالكامل لصالح مشروع معالجة خور ود الحسن، وذلك لفترة زمنية محددة وحتى اكتمال تنفيذ المشروع.
على أن يُنشأ صندوق مستقل يخضع لرقابة شفافة، تشارك فيه:
• تمثيل وزارة مالية الولاية
• حكومة المحلية،
• ممثلو المزارعين،
• والجهات الفنية المختصة،
مع إلزام الجهة المنفذة بنشر تقارير دورية توضح:
• حجم الإيرادات،
• أوجه الصرف،
• ونسب الإنجاز الفعلية في المشروع.
*وبذلك يتحول ما يدفعه المزارع من رسوم إلى استغلال أمثل للموارد في حماية طرقه ومحاصيله ومصالحه، بدلاً من أن تظل المشكلة تتكرر كل خريف دون حل جذري.*
*ثانياً: خيار الـ BOT الاستثماري*
نظام الـ BOT ليس فكرة نظرية، بل تجربة ناجحة في عشرات الدول.
ويقوم على طرح المشروع في عطاء شفاف لشركة أو تحالف استثماري يتولى:
• التمويل،
• والتشييد،
• والتشغيل لفترة محددة،
مقابل رسوم عبور رمزية، ثم تعود ملكية المشروع بالكامل للدولة بعد انتهاء فترة الامتياز.
الكلفة الحقيقية ليست كلفة التنفيذ… بل كلفة التأخير
كل خريف يمر دون حل دائم يعني:
• خسائر جديدة للمزارعين،
• تعطيل حركة التجارة والإنتاج،
• معاناة يومية للمواطنين،
• وتأخير إسعاف المرضى والحالات الحرجة.
بل إن بعض الخسائر لا تُقاس بالأرقام:
• أم تلد على قارعة الطريق،
• مريض لا يصل إلى المستشفى،
• طالب ينقطع عن دراسته،
• ومواطن يفقد ثقته في قدرة الدولة على خدمته.
*المطلوب الآن… قرار لا لجنة جديدة*
أهل الدندر لا يطلبون المستحيل.
ولا ينتظرون خطابات موسمية تتكرر كل عام مع بداية الخريف.
المطلوب ببساطة:
• قرار واضح،
• دراسة علمية صحيحة محترمة،
• وتنفيذ جاد لحل دائم.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقع مباشرة على:
• السيد والي ولاية سنار،
• والمدير التنفيذي لمحلية الدندر،
لتكليف بيت خبرة هندسية متخصص، وتبني توصياته الفنية، والبدء الفوري في تنفيذ الحلول المستدامة قبل حلول الخريف القادم.
فالخور لن ينتظر…
والخريف لا يرحم…
وتكرار الخطأ نفسه لم يعد قدراً، بل تقصيراً يجب أن يتوقف.
اللهم قد بلغت… اللهم فاشهد











إرسال تعليق