حين يصبح التاريخ هوية ممتدة

  • بتاريخ : 18 مايو، 2026 - 8:06 م
  • الزيارات : 27
  •  

    بقلم /دكتور الزبير حمزة الزبير
    المملكة العربية السعودية -استاذ جامعي

    مما استدعاني للكتابة في هذا الموضوع ذلك الاحتفال المزمع إقامته في فناء متحف سنار احتفاءً باليوم العالمي للمتاحف والتراث الذي يشكل ملامح الهوية السودانية وصياغتها وامتدادها التاريخي والمحافظة علي الاثار التي تشكل استدعاءاً لتاريخ سنار
    فتاريخ الأمم العظيمة لا يستدعي من من باب الحنين وحده ولا تروي سير الدول القديمة لمجرد التفاخر بالماضي بل لأن بعض التجارب التاريخية تظل قادرة على تفسير الحاضر وإضاءة معنى الهوية والانتماء ومن بين تلك التجارب في تاريخ السودان تبرز تجربة سلطنة الفونج بوصفها واحدة من أهم المراحل التي أسهمت في تشكيل الشخصية السودانية وصناعة الوعي الجمعي الذي لا يزال حياً حتى اليوم
    لقد ظهرت سلطنة الفونج في لحظة تاريخية كانت المنطقة فيها تشهد تحولات كبرى على المستويين السياسي والثقافي ومع قيام الدولة في سنار خلال القرن السادس عشر بدأ السودان يدخل مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والتواصل الحضاري ولم تكن سنار مجرد عاصمة لحكم محلي بل تحولت إلى مركز تتقاطع فيه طرق التجارة وتلتقي فيه الثقافات وتتفاعل داخله الهويات المختلفة في صيغة اجتماعية جديدة ومن هنا اكتسبت دولة الفونج أهميتها التاريخية لأنها لم تكن مجرد سلطة سياسية بل كانت مشروعاً اجتماعياً وحضارياً أسهم في إعادة تشكيل المجتمع السوداني
    تميزت تجربة الفونج بقدرتها على استيعاب التنوع فالسودان بطبيعته فضاء متعدد الأعراق والثقافات واللغات ولم يكن من الممكن بناء دولة مستقرة فيه على أساس الانغلاق العرقي أو الهيمنة الأحادية لذلك نشأت سلطنة الفونج من حالة تفاعل بين مكونات عديدة إفريقية وعربية ومحلية واستطاعت عبر هذا التداخل أن تنتج نموذجاً فريداً من التعايش وربما لهذا السبب بقي إرثها حاضراً في الوعي السوداني لأن الناس يرون فيها صورة مبكرة لفكرة السودان المتنوع الذي يتسع للجميع.
    ولم يكن تأثير الفونج سياسياً فقط بل امتد إلى الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية فقد لعبت الدولة دوراً مهماِ في نشر الإسلام وتعزيز التعليم الديني وازدهرت في عهدها الطرق الصوفية التي أصبحت لاحقاً جزءاً أصيلاً من البنية الروحية والاجتماعية للسودانيين كما انتشرت مراكز العلم والفقه، وتحولت سنار إلى مقصد للعلماء والطلاب والتجار مما جعلها نقطة إشعاع ثقافي في المنطقة ومن خلال هذا التفاعل الطويل بين الدين والثقافة والعادات المحلية تشكلت أنماط اجتماعية ما تزال آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة السودانية حتى يومنا هذا.
    ومن اللافت أن استدعاء تاريخ الفونج في الحاضر يزداد كلما دخل السودان في أزمات تتعلق بالهوية والانتماء ففي أوقات الانقسام والصراع يعود الناس إلى التاريخ بحثاً عن لحظات الوحدة والتماسك التي يمكن أن تمنحهم معنى جامعاً وهنا تبرز تجربة الفونج باعتبارها مثالاً على إمكانية التعايش بين الاختلافات وعلى قدرة السودان رغم تنوعه الكبير على إنتاج هوية مشتركة لا تلغي التعدد بل تحتضنه ولهذا فإن استحضار الفونج اليوم ليس مجرد ممارسة ثقافية أو تاريخية بل يحمل دلالة سياسية واجتماعية عميقة تتعلق بمستقبل السودان نفسه
    لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تبقى في ذاكرة الشعوب ليست بالضرورة تلك التي امتلكت أقوى الجيوش أو أوسع الأراضي بل تلك التي استطاعت أن تترك أثراً إنسانيياً وثقافياً طويل المدى فالقوة العسكرية قد تصنع إمبراطورية مؤقتة لكن الثقافة والهوية هما ما يصنعان الاستمرار الحقيقي ومن هنا بقيت سنار رمزاً يتجاوز حدود المكان وظل اسم الفونج حاضراً في الوجدان الشعبي في الأغاني والحكايات والروايات الشفوية وفي الإحساس العام بأن السودان الحديث مدين في جانب من تكوينه لتلك المرحلة التاريخية.
    كما أن إرث الفونج يكشف حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة الهوية السودانية نفسها فهي هوية لم تتشكل عبر النقاء العرقي أو الانغلاق الثقافي بل عبر الامتزاج المستمر بين عناصر متعددة وهذا ما يمنح السودان خصوصيته التاريخية والحضارية فالتنوع الذي ينظر إليه أحياناً باعتباره مصدراً للصراع كان في فترات كثيرة مصدراً للقوة والإبداع والتجدد وتجربة الفونج تقدم مثالاً واضحاً على ذلك إذ استطاعت تحويل التعدد إلى عامل استقرار وبناء لا إلى سبب للانقسام
    لم تنتهي سلطنة سنار بسقوطها عام١٨٢١م لأن الأفكار التي تركتها مستمرة في وجدان الشعوب حيث يظل الفونج جزءاً من الذاكرة السودانية، لا بوصفهم سلطة حكمت في الماضي بل بوصفهم مرحلة أسهمت في تشكيل معنى السودان ذاته
    وفي النهاية فإن استدعاء تاريخ الفونج اليوم ليس دعوة للعودة إلى الماضي بقدر ما هو محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل فالسودان الذي تشكل عبر قرون من التفاعل الثقافي والإنساني لا يمكن اختزاله في هوية ضيقة أو رؤية أحادية وتجربة الفونج تذكر السودانيين بأن قوتهم الحقيقية كانت دائماً في قدرتهم على التعايش والتلاقي وصناعة المشترك الإنساني ولهذا يبقى إرث الفونج حياً ليس فقط في كتب التاريخ بل في الوعي الجمعي وفي الإيمان العميق بأن السودان رغم كل ما مر به ما يزال قادراً على أن يجد وحدته في تنوعه وقوته في تعدده واستمراره في ذاكرته الحضارية الممتدة