بقلم / الطيب مضوي شيقوق
“مستشار قانوني- خبير في قوانين الأوراق المالية”
أود أولاً أن أعبّر عن تقديري العميق لما تفضل به البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم من قراءة موضوعية ومتأنية لما طرحته حول مدخل بناء الدولة في السودان، وهي قراءة أراها مثالاً للحوار الفكري الذي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ حوار لا يبحث عن الغلبة بقدر ما يسعى إلى توسيع دائرة الفهم المشترك.
في تقديري، فإن نقطة الالتقاء الأساسية بين الطرحين واضحة: لا خلاف حقيقي حول التشخيص العام للأزمة، بل إن الاختلاف – إن وُجد – يقع في زاوية النظر إلى نقطة البداية. فالطرح الاقتصادي ينطلق من مظاهر الخلل في الأداء التنموي والإداري، بينما حاولتُ الانطلاق من سؤال أسبق: لماذا تفشل السياسات، مهما حسنت صياغتها؟
ذلك لأن المشكلة السودانية، في جوهرها، ليست نقصاً في الأفكار ولا في البرامج، وإنما غياب الإطار المؤسسي القادر على حملها عبر الزمن. فالدولة ليست مجرد سلطة حاكمة، بل منظومة قواعد مستقرة تضمن الاستمرارية، بحيث لا تصبح كل مرحلة سياسية بداية جديدة تمحو ما قبلها.
وأوافق البروفيسور بدر الدين تماماً في أن الإرادة السياسية تمثل التحدي الأكبر، غير أن هذه الإرادة نفسها لا تنشأ في الفراغ؛ فهي نتاج بيئة دستورية ومؤسسية تُقيّد النزعات قصيرة الأجل، وتجعل احترام المؤسسة مصلحة للجميع لا فضيلة اختيارية.
لقد علّمتنا التجارب الدولية أن التنمية ليست نقطة انطلاق لبناء الدولة، بل غالباً ما تكون نتيجتها. فحين تستقر القواعد، وتُحمى المؤسسات من التسييس، وتُفصل الدولة عن صراعات السلطة اليومية، تبدأ التنمية في الظهور بوصفها أثراً طبيعياً لا مشروعاً مؤقتاً.
ولعل أهم ما يكشفه هذا الحوار هو أن السودان لا يعاني من فقر في الرؤى بقدر ما يعاني من انقطاع التراكم. فنحن نعيد إنتاج الأسئلة ذاتها كل عقد، لأن الدولة التي تحفظ الإجابات لم تكتمل بعد.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط توافقاً سياسياً مرحلياً، بل اتفاقاً تاريخياً على قواعد اللعبة نفسها: دولة محايدة، مؤسسات مستمرة، وسياسات تعيش أطول من الحكومات.
فإذا تحقق ذلك، تصبح الحوكمة ممارسة يومية، والتنمية مساراً متصاعداً، وتتحول الإرادة السياسية من شعار إلى نظام عمل.
والحوار الذي بدأه البروفيسور بدر الدين، وأتشرف بأن أكون جزءاً منه، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح: إعادة التفكير في الدولة قبل إعادة تصميم السياسات.
مع خالص شكري و عميق امتناني











إرسال تعليق