امتحانات الشهادة السودانية والمخاض العسير

  • بتاريخ : 2 أبريل، 2026 - 8:36 ص
  • الزيارات : 32
  • بقلم / دكتور الزبير حمزة الزبير
    المملكة العربية السعودية -استاذ جامعي

    من منطلق عملي في مجال التدريس العام والعالي لسنوات طويلة وجدت نفسي متناولاً لما مرت به الشهادة السودانية من حالة مخاض عسير بسبب تراكم الدفعات وتداخلها وتشتت الطلاب في اماكن النزوح الذي احدثته هذه الحرب مما جعل وزارة التعليم والتربية الوطنية ترث ملفاً مثقلاً ومعقداً وهو ملف لا يمكن اختزاله في كونه شأناً تعليمياً بحتاً بل هو قضية وطنية تمس عمق المجتمع السوداني وتنعكس آثارها على كل بيت وعلى حاضر البلاد ومستقبلها معاً فالشهادة السودانية عبر تاريخها الطويل لم تكن مجرد اختبار نهاية مرحلة بل كانت رمزاً للانضباط والعدالة وعنوانًا للثقة التي بناها النظام التعليمي على مدى عقود.
    لقد نشأت أجيال كاملة وهي تنظر إلى هذه الشهادة باعتبارها محطة فاصلة في مسار الحياة لحظة تتويج لسنوات من الجهد والمثابرة وبوابة عبور نحو التعليم الجامعي ومن ثم نحو تحقيق الطموحات الشخصية والمساهمة في بناء الوطن ولهذا فإن أي اضطراب في هذا المسار لا يقاس فقط بآثاره المباشرة بل بمدى ما يخلّفه من اهتزاز في الثقة العامة ومن قلق متراكم داخل المجتمع.
    واجهت البلاد ظروفاً استثنائية بسبب هذه المليشيا الغاشمة أدت إلى تجميد أو تأجيل امتحانات الشهادة السودانية وهو أمر لم يكن مألوفاً في تاريخها وهذا التوقف المفاجئ كان صدمة حقيقية للطلاب وأسرهم، حيث وجد الآلاف أنفسهم في حالة انتظار مفتوح، بلا أفق زمني واضح، وبلا قدرة على التخطيط لمستقبلهم القريب ومع كل يوم تأخير كانت تتضاعف الضغوط النفسية وتتزايد المخاوف من ضياع الفرص أو من فقدان التنافسية على مستوى التعليم العالي.
    وإذا كان الطالب هو المتأثر الأول فإن الأسرة السودانية بأكملها كانت شريكاً في هذه المعاناة. فلا يكاد يخلو بيت من طالب أو طالبة يستعدون لهذه المرحلة ومع كل تأجيل كانت البيوت تعيش حالة من الترقب والقلق تختلط فيها مشاعر الأمل بالخوف والصبر بالإرهاق لقد تحولت الامتحانات التي كان يفترض أن تكون لحظة حاسمة محددة بزمن إلى حالة ممتدة من الانتظار غير المريح وهو ما ألقى بظلاله على الاستقرار النفسي والاجتماعي.
    الأخطر من ذلك أن هذا التجميد كاد أن يمس القيمة التاريخية للشهادة السودانية نفسها فالمصداقية التي بنيت عبر سنوات طويلة من الالتزام والانضباط لا تتحمل اهتزازات متكررة حتى وإن كانت مبررة بظروف استثنائية لأن الثقة في الامتحانات الوطنية هي حجر الأساس لأي نظام تعليمي وأي خلل فيها قد ينعكس سلبًاً على الاعتراف بالشهادة، وعلى فرص الطلاب في الداخل والخارج.
    ومع ذلك لا يمكن النظر إلى المشهد من زاوية واحدة فقط فقد وجدت وزارة التعليم والتربية الوطنية نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على سلامة الطلاب وضمان استمرارية العملية التعليمية وصون هيبة الامتحان في آن واحد ومن هذا المنطلق جاءت محاولات المعالجة التي شملت إعادة ترتيب الجداول الزمنية والعمل على تهيئة الظروف المناسبة لعقد الامتحانات والسعي إلى طمأنة الرأي العام بأن الشهادة السودانية ستظل محافظة
    لقد أثبتت هذه الأزمة أن التعليم ليس قطاعاً معزولاً بل هو مرآة تعكس واقع الدولة بكل تعقيداته وعليه فإن حماية الامتحانات الوطنية وعلى رأسها الشهادة السودانية يجب أن تعامل كأولوية استراتيجية تتطلب تنسيقاً عالي المستوى واستثماراً حقيقيًاً ورؤية بعيدة المدى.
    ولما سبق يمكننا القول إن وزارة التعليم والتربية الوطنية لم ترث مجرد مشكلة عابرة بل واجهت اختباراً حقيقياً لقدرتها على إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع ولكنها استطاعت ان تتجاوزها وتعيد للشهادة السودانية هيبتها وارثها التاريخي
    وأن تظل برغم كل ما مرت به رمزاً للأمل والطموح وقصة كفاح تتكرر في كل بيت سوداني وبين معاناة الأمس وتحديات اليوم يظل الأمل معقوداً على غد أكثر استقرارا ً ونظام تعليمي أكثر قوة .