الوسط بين استحقاق الشراكة ومأزق التمثيل

  • بتاريخ : 28 أبريل، 2026 - 4:07 م
  • الزيارات : 12
  • بقلم: ياسر أبو ريدة
    في لحظات التحوّل الكبرى، تُقاس جدية النخب السياسية بقدرتها على قراءة الواقع كما هو، لا كما ترغب أن تراه. والسودان اليوم يمرّ بواحدة من أعقد مراحله، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية، في مشهد يفرض مراجعات عميقة لا تحتمل التأجيل أو المناورة.
    ورغم ذلك، تكشف التحركات الجارية لتشكيل كتل وتحالفات سياسية عن ميلٍ مقلق لإعادة إنتاج ذات الأنماط القديمة؛ ذات الوجوه، وذات آليات التمثيل المحدودة، وذات العقلية التي أسهمت، بشكل أو بآخر، في الوصول إلى هذه اللحظة الحرجة.
    في هذا السياق، يبرز إلاقليم الاوسط بوصفه أحد أكثر الأقاليم تأثرًا بمفارقة لافتة: ثقلٌ اجتماعي واقتصادي معتبر، يقابله حضور سياسي دون مستوى الاستحقاق. وهو وضع لا يمكن تفسيره بغياب الكفاءات، بقدر ما يعكس خللًا في بنية التمثيل وآليات صناعة القرار.
    لقد أفرزت الحرب واقعًا جديدًا، تصاعدت فيه أدوار الفاعلين على الأرض، بما في ذلك الحركات المسلحة. غير أن اختزال الشرعية في موازين القوة يظل طرحًا قاصرًا؛ إذ إن التجارب المقارنة تؤكد أن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر شرعية تستند إلى التوافق المجتمعي، لا إلى موازين السلاح وحدها.
    ومن هنا، فإن أي ترتيبات سياسية لا تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني، ولا تستوعب أقاليمه المختلفة بإنصاف، ستظل عرضة للاهتزاز، مهما بدت متماسكة في ظاهرها.
    الحاجة اليوم ليست إلى تحالفات مغلقة، بل إلى عملية سياسية شاملة، تُبنى على أسس واضحة: عدم الإقصاء، الشفافية، والمساءلة. كما أن إدارة المرحلة تتطلب كفاءات وطنية مؤهلة، قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد بعيدًا عن منطق المحاصصة الضيق.
    وفي قلب هذه المعادلة، يظل مطلب العدالة في التمثيل لإقليم الوسط مطلبًا مشروعًا، لا يندرج في إطار المنافسة الجهوية، بل في سياق بناء توازن وطني صحي يضمن مشاركة الجميع دون تهميش أو إقصاء.
    إن استمرار الفجوة بين الواقع المجتمعي وبنية التمثيل السياسي لا يهدد فقط فرص الاستقرار، بل يعمّق أيضًا الشعور بالغبن، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المستقبل.
    السودان اليوم أمام فرصة لإعادة التأسيس على قواعد أكثر عدلًا وشمولًا. غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل مرهونًا بمدى استعداد الفاعلين السياسيين لتقديم تنازلات حقيقية، والانخراط في مشروع وطني يتجاوز الحسابات الضيقة.
    فالأزمات الكبرى لا تُدار بذات الأدوات التي صنعتها… ولا تُحل بإعادة تدويرها.