بقلم / الطيب مضوي شيقوق
“محامي – مستشار قانوني”
في لحظات الاضطراب السياسي تميل الشعوب إلى البحث عن البديل: حاكمٍ جديد، حزبٍ مختلف، أو مشروعٍ يَعِد بالخلاص. لكن التجربة الإنسانية تُظهر أن الأزمات العميقة لا تنشأ من نقص البدائل، بل من غياب القاعدة التي تحكم الجميع. فحين لا يكون هناك اتفاقٌ واضح على أن الدولة كيانٌ دائم لا يتغيّر بتغيّر السلطة، تتحول السياسة من تنافسٍ مشروع إلى صراعٍ على تعريف الوطن نفسه.
ليست أزمة الأوطان دائمًا نتيجة صراع الأشخاص، ولا تعاقب الحكومات، ولا حتى اختلاف البرامج السياسية. فهذه كلها ظواهر طبيعية في أي مجتمع حي. الأزمة الحقيقية تبدأ حين يغيب الاتفاق على القاعدة التي تجعل من الاختلاف السياسي أمرًا ممكنًا دون أن يتحول إلى تهديدٍ لوجود الدولة نفسها.
في كثير من الأحيان، يجري التعامل مع السلطة وكأنها هي الدولة، ومع الحزب وكأنه الوطن، ومع الفكرة السياسية باعتبارها الحقيقة النهائية التي ينبغي أن تخضع لها المؤسسات. وعندما تختلط هذه المفاهيم، تدخل الدولة مرحلة التآكل الصامت؛ إذ تفقد تدريجيًا حيادها، وتتراجع قدرتها على الاستمرار خارج إرادة من يحكمها في لحظةٍ معينة.
الحقيقة التي أثبتتها تجارب الدول المستقرة بسيطة وواضحة:
الدولة أكبر من الحكّام، وأبقى من الأحزاب، وأسمى من كل مشروعٍ أيديولوجي عابر.
فالحكّام سلطة مؤقتة يمنحها الزمن شرعيتها ويسحبها متى تغيّر ميزان الواقع. والحزب أداة للعمل العام، ينجح حينًا ويخسر حينًا آخر. أما الأيديولوجيا، مهما بدت مكتملة، فهي اجتهاد بشري يخضع لاختبار التجربة، لا نصًّا مقدسًا فوق المجتمع.
المشكلة تظهر عندما تُدار الدولة بعقلية البداية المطلقة؛ كل سلطة تتصرف وكأنها تبدأ التاريخ من جديد، وكل مشروع سياسي يسعى لإعادة تشكيل المؤسسات على صورته الخاصة. عندها لا تتراكم الخبرة الوطنية، بل تتكرر نقطة الصفر، وتتحول الدولة إلى مشروعٍ غير مكتمل يعاد بناؤه ثم هدمه مع كل انتقالٍ سياسي.
والنتيجة ليست مجرد اضطرابٍ سياسي، بل ضعفٌ مؤسسي عميق: قوانين تتغير بسرعة، مؤسسات تفقد استقلالها، وثقة عامة تتآكل حتى يصبح المواطن غير واثق في استمرارية أي قرار أو سياسة. وحين تفقد الدولة قدرتها على الاستمرارية، يصبح الاستقرار ذاته هدفًا بعيد المنال.
إن جوهر الدولة الحديثة ليس انتصار فكرة على أخرى، بل وجود إطارٍ ثابت يسمح للأفكار جميعها بالتنافس دون أن تهدم الأساس الذي يجمعها. فالديمقراطية لا تعني حكم طرفٍ دائم، كما أن الاستقرار لا يعني غياب المعارضة، وإنما يعني وجود قواعد لا يملك أحد تغييرها وفق مصلحته الآنية.
ولهذا فإن الخروج من المأزق السياسي لا يتحقق بمجرد تغيير الحكومات أو إعادة توزيع السلطة، بل يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والدولة: السياسة مجال التنافس، أما الدولة فهي الضامن لاستمرار هذا التنافس دون انهيار.
اللحظة الفاصلة في تاريخ أي وطن تأتي حين يدرك الجميع — حكامًا ومعارضةً وقوى اجتماعية — أن بقاء الدولة شرطٌ لبقاء الجميع، وأن سقوطها لا يمنح أحدًا نصرًا حقيقيًا، بل يفتح الباب لخسارةٍ جماعية لا يستثنى منها أحد.
وعند هذه النقطة فقط يتحول الخلاف السياسي من صراع وجود إلى اختلاف مشروع، وتصبح السلطة مسؤوليةً مؤقتة لا غنيمة، وتستعيد الدولة معناها الحقيقي بوصفها البيت الذي يسع الجميع، لا الساحة التي يتقاتلون عليها.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بعدد من حكموا، ولا بطول بقاء الأحزاب، ولا بسطوع الأفكار التي مرّت عبر تاريخها، بل بقدرتها على البقاء حين يرحل الجميع.
فالحكّام صفحات، الأحزاب فصول، والأيديولوجيات اجتهادات زمنية، أما الدولة فهي الكتاب نفسه. وإذا ضاع الكتاب، فلن تنقذنا روعة أي صفحةٍ فيه.
اللهم احفظ أوطاننا من الفتن ما ظهر منها وما بطن،
واحفظ أهلها، وألِّف بين قلوبهم،
واجعل الاختلاف فيها رحمةً لا فرقة،
والقوة فيها عدلًا لا بطشًا،
والسياسة فيها خدمةً للناس لا صراعًا عليهم.
اللهم اجعل الأوطان بيوتًا آمنةً يسع ظلّها الجميع،
ولا تجعل مستقبلها رهينة لحظة غضبٍ أو نزاعٍ عابر.











إرسال تعليق