السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (2)

  • بتاريخ : 23 مايو، 2026 - 8:45 ص
  • الزيارات : 24
  •  

    بقلم/ الباشمهندس مامون محمد الطيب عمر

    الحلقة الثانية

    أواصل مناقشة الموضوع على المحورين المذكورين،
    فالمتدبر يستنتج أن العلة في الإنسان أفرادا أو جماعات و الحكام الذين هم بالضرورة نتاج لمجتمعهم ..

    لذلك قسمت مناقشتي كما ذكرت أعلاه للموضوع لمحورين الأول يتناول الإنسان الفرد وما الذي خلق منه الإنسان الذي فشل في إستثمار ما تحت يديه من خيرات.
    أما المحور الثاني فيتوجه للرأس الذي يدير شؤون البلاد وهم طبقة المتعلمين والمثقفين وفي مقدمتهم أهل السياسة المعول عليهم توحيد الطاقات وتوجيهها ممثلة في الأفراد والجماعات لإستثمار هذه الخيرات الموفورة ..

    أبدأ بالقول أن المرجع الثقافي لجل سكان السودان الوسيط وشماله هو الإسلام والعروبة .. وأن الاسلام مرجع الغالب الأعم من شعوب السودان المتبقي بعد إنفصال الجنوب إلا قليلا من بعض الشعوب في أطرافه الجنوبية الجديدة بينما تتميز بقية الشعوب المسلمة بثقافة ذات مرجعيات أفريقية محلية تكسبها ذاتيتها وشخصيتها المتفردة ..

    أما بخصوص المرجعية الاسلامية فإن منهج التصوف مثل ركيزة غالب المسلمين من شعوب السودان وظل موردها المركوز في الوعي الذي شكل المنهج العام للحياة الإجتماعية رغم بعض التيارات الحديثة لمذاهب مستجدة لها تأثيرها المتزايد ..
    على هدي هذه المرجعيات يمكن تحليل السلوك الإنساني والمزاج السوداني بصفة عامة وسلوكه تجاه الأحداث تفاعله معها ..

    المؤثر الفاعل الثاني في المزاج العام هو البيئة الجغرافية فغالب أراضي السودان تقع داخل الحزام المداري بين مداري السرطان والجدي تسفع سهوله المنبسطة شمس لاهبة في غدوها ورواحها بين المدارين طيلة شهور السنة فتكسب الأرض والسكان طابعا مستمدا من هذا الوجود اللصيق ..

    و حتى لا أخوض في التعميم المخل أبدأ بالقول أنني أتحدث وفي الذهن تجربتي الشخصية كإنسان ولد ونشأ في منطقة وسط الجزيرة لأسرة من المزارعين مارست في مقتبل العمر مهنتهم حتى التخرج كمهندس فارق صعوبة العمل الزراعي و قلة عوائده لمزارعي مشروع الجزيرة لأنضم لمجموعة التكنوقراط الذين يمثلون طليعة الطبقة المتوسطة والتي لعبت أدوارا مهمة في النشاط السياسي وساهمت في التغييرات التي حدثت كثورات أكتوبر وأبريل وفي إدارة عجلة البناء في المشروعات الوطنية التي توفر قيامها ..

    فما أكتبه هنا إذا عن الإنسان السوداني سيعبر في كثير منه عن هذه المجموعات التي أنا جزء منها .. ولا يعني ذلك أنني لا ملك معلومات عن بقية مكونات الشعوب السودانية الأخرى بدرجات متفاوتة تتيح لي مناقشة الشخصية السودانية ومرتكزاتها الثقافية و العقدية ومراجعها الإجتماعية بصفة عامة و بمستويات مختلفة أركز فيها على المشترك مع الإشارة لبعض الإختلافات التي أعلمها وأثر ها على كل مجموعة من هذه الشعوب ..
    بالطبع لا يدرك المرء بمحدودية علمه وإطلاعه كل أجزاء الموضوع .. فما أصبت فيه فمن توفيق الله وما أخفقت في إدراكه فمن قصوري المركوز في جبلة الإنسان عن الشمول و الإحاطة ..

    أناقش الأمر بالنسبة للإنسان السوداني الفرد ودون تعميم ورأيت أن أقسم النقاش لثلاث ركائز أعتبرها أساسية وكافية للتحليل ..

    اولا : المرتكزات الفكرية وتشمل المعتقدات الدينية والموروث الشعبي و التيارات المستحدثة ودورها في بناء الشخصية عموما

    ثانيا : البيئة كالمناخ وجغرافية وطبوغرافيا الموقع وأثرها على سبل الكسب وأنماط المعيشة والسلوك أيضا

    ثالثا : نظم السلطة بمستوياتها داخل المجتمعات .. على مستوى الفرد والمجموعات الصغيرة ممثلة في العائلة والقبيلة والعنصر انتهاءا بالسلطات المحلية و المركزية ..

    لاحقا سأنقش محور الحكم على أربعة محاور أيضا عند التعرض لها ..

    اولا : لمحة تاريخية لنظم الحكم التي تعاقبت على السودان منذ بدايات تكونه الاولى بالدولة السنارية والدويلات والممالك الأخرى وحتى الآن ..

    ثانيا : القوى المسيطرة على دفة القيادة خلال هذه الفترات والتحولات التي صاحبتها

    ثالثا : أثر التدخل الخارجي المباشر ممثلا في حكم المماليك .. محمد علي باشا وأحفاده .. ثم البريطانيين وحليفهم المصري والتأثير الخارجي غير المباشر لدول الجوار الاقليمي و المجال الأبعد عالميا ضمن صراعات القوى الكبرى

    رابعا : التنافس الداخلي بين مكونات الشعوب السودانية للفوز بكعكة السلطة وثمراتها أو أكبر قدر منها دون الاخرين ..

    أواصل ..