الدولة الحارسة لا الدولة المختطفة “7”

  • بتاريخ : 17 مايو، 2026 - 10:16 ص
  • الزيارات : 20
  • بقلم / حيدرمعتصم مدني
    مدير /مركز الخرطوم للحوار

    ليست المشكلة الكبرى في السودان أن الدولة ضعيفة فقط،
    بل أن الدولة نفسها تحولت عبر مراحل طويلة إلى ساحة صراع ومحاولة استحواذ دائم.
    فكل تيار سياسي كان يدخل المجال العام بعقلية:
    السيطرة على الدولة، لا:
    بناء الدولة.
    ومن هنا نشأت واحدة من أخطر أزمات السودان الحديثة: تحول الدولة من “إطار جامع” إلى “غنيمة صراع”.
    *ما معنى الدولة الحارسة؟*
    الدولة الحارسة ليست الدولة القمعية، وليست الدولة المنسحبة، وليست الدولة الحزبية.
    بل هي الدولة التي تقوم بوظيفتها الأساسية:
    حماية المجتمع،
    وحراسة العقد الاجتماعي،
    وضمان التوازن بين المكونات،
    وصيانة القانون،
    ومنع الاحتكار،
    وحماية المجال العام من الانهيار.
    أي أنها دولة:
    تقف فوق الاستقطاب،
    لا داخله،
    وتحمي الوطن كله، لا تيارًا بعينه.
    *المشكلة السودانية:*
    الدولة لم تُنظر إليها كمرجعية وطنية مشتركة
    بل كثيرًا ما جرى التعامل معها باعتبارها:
    مكسبًا سياسيًا،
    أو أداة تمكين،
    أو وسيلة لإقصاء الخصوم،
    أو بوابة للهيمنة الأيديولوجية.
    وبالتالي لم تتشكل في الوعي السوداني الحديث صورة مستقرة للدولة باعتبارها: “ملكية عامة للمجتمع كله”.
    وهنا بدأ الاختلال العميق.

    *حين تختطف الدولة:*

    إختطاف الدولة لا يعني فقط الانقلاب العسكري أو السيطرة الأمنية.
    بل قد يحدث أيضًا عبر:
    التمكين الحزبي،
    والاحتكار الأيديولوجي،
    والسيطرة على المؤسسات،
    وإضعاف الاستقلال المهني،
    وتسييس الخدمة المدنية،
    وتحويل القانون إلى أداة صراع.
    وفي هذه الحالة تصبح الدولة:
    منحازة،
    ومُسيّسة،
    وفاقدة للحياد الوطني.
    فتفقد بالتدريج شرعيتها المعنوية عند قطاعات واسعة من المجتمع.
    الدولة ليست حزبًا كبيرًا
    وهذه واحدة من أهم القضايا التي لم تُحسم في السودان.
    فالدولة تختلف جذريًا عن:
    الحزب،
    والحكومة،
    والتحالف السياسي.
    الحكومة تتغير. والأحزاب تتنافس. والتحالفات تتبدل.
    أما الدولة، فيُفترض أن تبقى:
    الإطار الثابت،
    والحارس للمصلحة العامة،
    والضامن لاستمرار المجتمع مهما تغيرت الحكومات.
    لكن حين تذوب الدولة داخل الحزب، أو داخل الأيديولوجيا، تفقد قدرتها على تمثيل الجميع.

    *لماذا تنهار الدول* *المختطفة؟*

    لأنها تفقد التوازن.فحين تشعر فئات واسعة أن الدولة:
    لا تمثلها،
    ولا تحميها،
    ولا تطبق القانون بعدالة،
    ولا تقف على مسافة واحدة من الجميع،
    فإن الانتماء الوطني نفسه يبدأ في التآكل.
    وهنا تنشأ:
    الجهوية،
    والقبلية،
    والاستقطابات الحادة،
    والبحث عن الحماية خارج إطار الدولة.
    لأن الناس حين تفقد الثقة في الدولة، تعود تلقائيًا إلى الهويات الأصغر.

    *السودان وأزمة غياب الدولة* *الحارسة*
    السودان عاش طويلًا في حالة: دولة تتغير هويتها بتغير من يسيطر عليها.
    فتارة تُعاد صياغتها أيديولوجيًا، وتارة حزبيًا، وتارة عسكريًا، وتارة جهويًا.
    وبالتالي لم تتشكل “فكرة الدولة المحايدة الحارسة” بصورة مستقرة في الوعي العام.
    ولهذا ظلت كثير من الصراعات السودانية في حقيقتها: صراعًا على الدولة، لا داخل الدولة.
    وهذا فرق شديد الخطورة.
    *الدولة الحارسة تحتاج إلى* *مجتمع قوي*
    لأن الدولة وحدها لا تستطيع حماية نفسها من الاختطاف.
    فحين يكون المجتمع:
    هشًا،
    ومستقطبًا،
    وضعيف المؤسسات،
    وسهل التعبئة،
    تصبح عملية اختطاف الدولة أسهل بكثير.
    أما المجتمع القوي، فهو الذي:
    يفرض التوازن،
    ويحمي المجال العام،
    ويمنع احتكار السلطة،
    ويُبقي الدولة ملكًا للجميع.
    ولهذا فإن بناء الدولة يبدأ من بناء المجتمع، لا العكس فقط.

    *كيف تُبنى الدولة الحارسة؟*
    ليس بالشعارات، ولا بمجرد تغيير الحكومات.
    بل عبر:
    عقد اجتماعي واضح،
    واستقلال مؤسسات الدولة،
    وحياد الخدمة المدنية،
    وقضاء مستقل،
    ومجتمع مدني قوي،
    وثقافة وطنية تفرق بين الدولة والحزب.
    أي عبر بناء فكرة: أن الدولة ليست غنيمة من ينتصر… بل الإطار الذي يحمي الجميع حتى أثناء الخلاف.
    *أخطر ما يهدد السودان:*
    تحول الصراع السياسي إلى صراع على وجود الدولة نفسها
    حين تصبح كل معركة سياسية معركة:
    سيطرة كاملة،
    أو إقصاء كامل،
    أو احتكار كامل،
    تتحول الدولة نفسها إلى جسم هش قابل للتفكك.
    لأن كل طرف يبدأ في النظر إلى السلطة باعتبارها: “فرصة أخيرة للبقاء”، لا: “وظيفة مؤقتة داخل دولة مستقرة”.
    وهنا تدخل البلاد في دوامة لا تنتهي من:
    الخوف،
    والاستقطاب،
    والصراع المفتوح.
    السودان يحتاج إلى الانتقال:
    من دولة تُختطف… إلى دولة تحرس الجميع
    وهذه ليست مجرد إصلاحات إدارية، بل تحول عميق في الوعي الوطني.
    تحول يجعل:
    الدولة أكبر من الحزب،
    والمصلحة الوطنية أعلى من الأيديولوجيا،
    والمؤسسات أقوى من التحالفات المؤقتة.
    لأن الأمم لا تستقر حين ينتصر طرف على آخر فقط، بل تستقر حين يشعر الجميع أن هناك دولة تحميهم جميعًا مهما اختلفوا.