نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
واقع فضيحة يجب أن نواجهه بكل شجاعة وجرأة ، بهدف معالجته.. واقع مرير تغرق في أوحاله الخدمة المدنية في السودان.. فالخدمة المدنية هي اللبنة الأولى في أي مشروع نهضوي لأي دولة ..
لكن هل نحن الآن أمام دولة تحترم نفسها وشعبها، وقوانينها، وتنصف وتعدل بين مواطنيها، وتحرص على تسيير دولاب العمل وفقا لضوابط وقواعد ولوائح وقوانين الخدمة المدنية،أم أننا أمام حالة من الفوضى وحسب؟
وهل الحرب تبرر الفوضى وتجد لها الأعذار، وتفتح لها الطريق لتتمدد وتصبح الفوضى هي الأصل، ووجود الدولة بأعرافها وتقاليدها الراسخة وسيادة قوانينها هو الإستثناء؟ وهل الحرب تمنع محاسبة المخطيء؟وهل كانت الحرب إلا بسبب الأخطاء والإخفاقات
الراسخ عندي من خلال المعطيات التي نعيشها واقعا، أننا ومنذ زمن بعيد أمام (تمرد ناعم) يؤسس لفوضى عارمة لتصبح بديلا للدولة، ونتائجه معروفة وهو إنهيار الدولة تماما..هذا التمرد الناعم الذي ينشر الفوضى تموله الدولة نفسها وترعاه..
هذا التمرد الناعم بدأ منذ وقت بعيد بالتمرد على قوانين الخدمة المدنية، وطفق ينشر الفوضى لتحل محل الدولة، والعشوائية عوضا عن النظام… والترهل والتقاعس والخمول بدلا عن الإنتاج والإتقان..واحتلال مؤسسات الدولة وتحويلها لملكية خاصة، وجعل الوظيفة أشبه بميراث الآباء. والتقاعس عن أداء الواجب ولهذا انتشرت الفوضى لتغرق البلاد في مستنقعاتها، تهريب وفساد الخ…
(2)
الدولة ومنذ نظام البشير غرقت في الفوضى فأصبحت تدفع رواتب موظفين وهميين لا تعرف أين هم، بينما تبحث مؤسساتها عن موظفين يؤدون أعمالهم ولاتجدهم.. ولعل أبلغ دليل على ذلك إعلان الحكومة الأخير عن مهلة 45 يوما لحصر الموظفين ..هل تحتاج أي دولة في العالم لمثل هذا الإعلان الذي هو أشبه بالإعلان عن متهم هارب..!!(الدولة تعلن عن موظفين هاربين لتسليم أنفسهم، ولاتجدهم إلا في كشف المرتبات فقط)..
قد تبدو الحكاية التي روتها إحدى الوزيرات في مجلس الوزراء مجرد واقعة طريفة، لكنها في حقيقتها تختصر جانباً مؤلماً من أزمة الخدمة المدنية السودانية، إذ تقول الوزيرة إنها جاءت إلى مجلس الوزراء لحضور جلسة، فسمعت موظفتين تتحدثان، فقالت إحداهما للأخرى إنها لم تأتِ إلى المجلس منذ سنة ونصف، وإن آخر عهدها بالمكان كان منذ زمن كورونا!..
وفي رأيي أن الطامة ليس غياب موظف، وإنما غياب نظام كامل لمراقبة الحضور والانصراف والمساءلة (الفوضى بديلا للدولة)..
والأكثر إثارة أن الوزيرة في ذات المقطع القديم تحدثت كذلك عن واقع مركز التدريب في الخرطوم «نمرة 2»، وعن مشاهد تعكس، بحسب روايتها، خللاً لايوجد في أي دولة في العالم ، الخفير يغلق عليه المركز، ويقوم بتأجيره من الداخل، مراكز اتصالات، ويتحكم فيه الغفير ويمنع حتى الوظفين من الدخول ..هكذا قالت الوزيرة..
(الفوضى بديلا للدولة)..!!
ثم تأتي واقعة أخرى أكثر دلالة: وحدة حكومية يبلغ عدد موظفيها 28 موظفاً، لم تجد الوزيرة منهم في موقع العمل سوى أربعة. وعندما سُئل الآخرون عن الأمر، كان من بين التفسيرات أنهم اتفقوا فيما بينهم على أن يحضروا إلى العمل مرة واحدة في الأسبوع!..(الفوضى (بديلا للدولة)..!!.
(3)
هذه الوقائع تعكس حالات حقيقية داخل مؤسسات الدولة، المشكلة في تقديري ليس في (أين ذهب الموظفون ال 24 ، بل في أين كانت الإدارة؟ وأين المدير؟ وأين سجلات الحضور؟ وأين شؤون العاملين؟ وأين التفتيش؟ ومن كان يوقع على كشف المرتبات كل شهر؟
فهذه ليست جمعية أهلية أو شركة خاصة يستطيع صاحبها أن يقرر إغلاقها أو إعادة تنظيمها متى شاء. الموضوع يا بشر يتعلق بجهاز دولة مضى على استقلالها 80 عاما ، وعن أموال عامة، وعن مؤسسات يفترض أن تقدم خدمات للمواطنين…هذه الكارثة لم تبدأ مع هذه الحرب، بل ظللنا نتابع منذ سنوات، ونطلع على تقارير المراجع العام التي تكشف فيك عام عن نوع آخر من الفوضى: أشخاص ماتوا وآخرين اغتربوا أو استقالوا أو فصلوا من الخدمة، أو موظفين في إجازة بدون مرتب، لكن ظلوا موجودين في كشوفات المرتبات، والدولة تدفع لهم.
وفي إحدى الوقائع المنشورة عن ولاية الجزيرة، كُشف عن وجود 142 مرتباً وهمياً، إضافة إلى (9) حالات لمتوفين كانت مرتباتهم تُصرف شهرياً. والأمر ليس متعلقا بالجزيرة وحدها بل في كل ولايات السودان..بالمناسبة الجنوب أيضا بعد الانفصال يعاني من نفس المشكلة..(الخبرات السودانية ما قصرت معاهم- كباتن عند الطلب-).. وهناك ايضا موظفين يباشرون العمل دون اكتمال مستندات تعيينهم، وهناك أسماء مكررة كما في تقارير المراجع السابقة…نهب “مصلح”
والأسئلة الملحة اليوم:
من يعمل فعلاً؟ ومن يتقاضى راتباً فقط؟ ومن انتقل إلى الخارج؟ ومن توفي؟ ومن فُصل؟ ومن استقال؟ ومن ظل اسمه في الكشف لأن أحداً لم يكلف نفسه عناء تحديث البيانات؟
لكن ما لا يمكن قبوله إدارياً هو أن تظل الدولة عاجزة عن الإجابة عن سؤال بسيط:
كم موظفاً لديها؟ وأين يعمل كل واحد منهم؟ وما وضعه الوظيفي؟ وهل يتقاضى راتباً مقابل عمل فعلي أم أن اسمه ما زال حياً في الورق فقط؟
(4)
أن تكون لديك وحدة تضم 28 موظفاً، ثم لا تجد في مقرها إلا أربعة، بينما يتفق بقية العاملين على الحضور يوماً واحداً في الأسبوع، فهذا يعني أن مفهوم «الدوام الرسمي» نفسه أصبح لا معنى له، فالوظيفة العامة ليست اتفاقاً بين مجموعة موظفين على عدد الأيام التي يرغبون في الحضور فيها.
وليست الراتب مقابل تسجيل الاسم في كشف العاملين.
وليست الدولة جهة تدفع الأجر ثم تترك الموظف يقرر بنفسه متى يعمل وأين يعمل.
الوظيفة العامة عقد ومسؤولية وحقوق وواجبات.
غياب الموظف يعني توقف معاملة ، أو يعني مواطناً ينتظر توقيعاً، أو ملفاً لا يتحرك، أو مشروعاً يتأخر، وقد يعني مستشفى أو مدرسة أو مصلحة حكومية لا تؤدي دورها كما ينبغي.
وفي النهاية يدفع المواطن ثمن ضعف الإدارة مرتين: مرة من المال العام الذي يذهب إلى أجور غير منتجة، ومرة من الخدمة التي لا يحصل عليها.
الآن بعد خراب سوبا وجه رئيس الوزراء في سبتمبر الماضي أجهزة الدولة بالتبليغ عن مواقع المسؤولين خلال مهلة 45 يوماً، في خطوة تستهدف تحديث البيانات ومعرفة المواقع الفعلية لشاغلي الوظائف والمسؤوليات.
إصلاح الخدمة المدنية لا يعني بالضرورة التخلص من الموظفين، كما أن حماية الموظفين لا ينبغي أن تعني حماية الترهل.
المطلوب أولاً هو معرفة الحقيقة.
حصر حقيقي.
بصمة حضور وانصراف.
ملف وظيفي إلكتروني.
مطابقة الرقم الوطني مع السجل الوظيفي.
مطابقة سجل الوفيات مع كشوفات المرتبات.
مطابقة قرارات الفصل والاستقالة والتقاعد والإجازات مع كشوفات الدفع.
عندما نجد اسماً لموظف متوفى في كشف المرتبات يجب أن يسأل: كيف بقي الاسم؟ ومن راجع الكشف؟ ومن اعتمد الصرف؟
والذي يجد وحدة حكومية يعمل فيها أربعة من أصل 28 يجب أن يسأل: من المسؤول عن الثمانية والعشرين؟ ومن المسؤول عن الأربعة؟ ومن المسؤول عن المؤسسة كلها؟
(5)
المشكلة ليست في الموظف وحده من السهل جداً أن نضع كل اللوم على الموظف.
لكن الترهل الإداري لا يصنعه الموظف وحده.
يصنعه المدير الذي لا يتابع.
وشؤون العاملين التي لا تحدث بياناتها.
والإدارة المالية التي تدفع دون مطابقة كافية.
والرقابة التي تصل متأخرة.
والمدير الذي يعرف أن موظفاً يغيب فلا يسأل.
والنظام الذي يسمح بأن يستمر الخطأ عاماً بعد عام دون محاسبة.
ولهذا فإن إصلاح الخدمة المدنية ينبغي ألا يتحول إلى حملة تفتيش عن «الموظف “المستهبل” فقط.
بل مراجعة للنظام الذي سمح للكسل والتسيب والترهل بأن يصبح ظاهرة قابلة للاستمرار.
فالموظف الغائب مشكلة.
لكن المؤسسة التي لا تعرف أنه غائب، وتواصل دفع راتبه، ثم لا تسأل عنه، هي المشكلة الأكبر.
وإذا كانت الدولة التي لا تعرف موظفيها.. كيف تعرف احتياجات مواطنيها؟……اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.






إرسال تعليق