إن لم يكن الإعلام حُرًا مستقلًا، فهو مطيَّةٌ مطيعة، أو بقرةٌ ذلول

  • بتاريخ : 13 يونيو، 2026 - 12:01 م
  • الزيارات : 6
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    الإعلام إن لم يكن حُرًا مستقلًا فهو “مطية” تُعلف فتُركب وتمضي إلى حيث يريد “الراكب”.. أو بقرة ذلول تثير الأرض وتسقي الحرث، وليس لها إلا أن تُعلف..
    الإعلام بالطبيعة ينشأ حُرًا مستقلًا، فالأصل فيه الحرية والإستقلالية، لكن تأتي الأنظمة السياسية والإقتصادية القابضة، فتلقي عليه بظلال التأثير رويدًا رويدًا، بغية ترويضه وجعله مطية مُطيعة لاتملك من أمرها شيئًا..
    ويبدأ مشوار الترويض في الدولة البوليسية بالترغيب والترهيب والإغراء والإكراه، حتى يصير دابة سهلة القياد، أو يُحبس ويسجن ويُكمم فاه، وتقيد يداه ويُكسر قلمه..
    في ظل هذه الأنظمة ليس للإعلام إلا خياران إما أن يوضع على فمه “حلوى” أو مقامع من حديد.. وأصحاب النفوس الكبيرة والأقلام الحرة وحدهم من يختارون “المقامع” على حلوى السلطان ..
    والمقامع من القمع، وهي حديدة تستخدم للضرب والإذلال والقمع، والواحدة منها مِقْمعة..
    (2)
    السلطة القابضة عادة ما تأتي للحكم بالقوة وإن أخفت مظاهر هذه القوة حينًا، وأولى أولوياتها هو وضع الإعلام تحت إبطيها، وخلع اسنانه، وانتزاع مخالبه وتقليم أظفاره، وذلك بالتأميم والتكميم والإحتواء، ولأن الإعلام الحر هو أكبر خطر وأكبر مهدد لبقائها واستمرارها، لذلك تستهدفه بطرق خفيه وأخرى إلتفافية وتحت مبررات المحافظة على الأمن القومي ..
    (3)
    في العهود الشمولية التي شهدها السودان (عبود ، نميري، البشير ، البرهان) عاشت الصحافة السودانية والإعلام بشكل عام كل أشكال القمع والقهر ، فتم التنكيل بالصحافة الحرة المستقلة، فعاشت ولاتزال تعيش أيام حالكات من التضييق والقهر، والاعتقالات، فكان آخر حلقات التضييق هذه، (استمارة) تسجيل المواقع الإخبارية والمنصات الإعلامية الصحافية، وما انطوت عليه من شروط ومطلوبات انتجتها عقلية أمنية تفكر بمنطق ضرورة قمع الإعلام وكبته لا بحرية الصحافة التي هي حق مشروع ومتعارف عليه كونيًا..
    وكنتيجة حتمية لقهر الصحافة السودانية في العهود سالفة الذكر اُجبرت صحف على إغلاق ابوابها وصودرت أخرى، ولحقت الخسائر الكبرى بأخريات حتى جثت على ركبتيها جثة هامدة، بلا أثر ولا حراك، ولُوحِقت صحف بالضرائب الباهظة مع حجب الإعلانات الحكومية وشبه الحكومية..
    وبالمقابل كان “الشريف” مبسوط من أخريات فوضع على افواههن الحلوى الملكية، ولم يجد منها إلا “الحلو” الذي في الواقع هو مُر المذاق..
    (4)
    اختم بواقعة تجسد كل تلك المعاني…عندما كنت رئيسًا لتحرير صحيفة الصيحة، اُستدعيتُ ذات صباح إلى جهاز الأمن ليس لأني ارتكبت مخالفة لقانون الصحافة، ولا قانون الأمن، بل لأني
    لم أضع خبر البشير (مينشيت أول) كما فعلت صحف كثيرة في ذلك اليوم، والله العظيم هذا ما حدث بالضبط والله على ما أقول شهيد..
    وقد جاء في التحري معي:
    ×ليه ما جبت خبر البشير بالخط العريض في “المينشيت”.
    – لدي خبر أهم منه، وانا الذي احدد أهمية الخبر وفقا لمعايير علمية مهنية، وهذه وظيفتي .
    × في خبر اهم من خبر رئيس الجمهورية؟
    – نعم في..خبر رئيس الجمهورية مهم ويهم قطاع كبير، لكن الخبر الذي اوردته في “المينشيت” أهم لأنه يهم كل الناس، ويمس حياة الكل ويؤثر على كل الناس..
    × لا نحنا عارفنك انت تقود خط معارضة واضح من كتاباتك..
    – المعارضة ليست جريمة، بل هي كفة مهمة في معادلة الحكم والسياسة وادارة الدولة، ومعارضة اليوم ستكون حكومة الغد، وحكومة اليوم ستصبح يومهي معارضة الغد..
    ×خلاض ماعايزين فلسفة..
    أوردتُ هذا النموذج لتجسيد واقع الصحافة في ظل الأنظمة الشمولية، وللتدليل على أن السلطة الدكتاتورية تسعى دائما لترويض الإعلام الحر المستقل وجعله مطية تحمل أسفار السلطة، يضخم انجازاتها، ويزين اباطيلها، ويجعل من أتفه الأخبار، قدرًا كبيرا وشأنًا عظيمَا..
    بالمناسبة..ليس جهاز أمن البشير وحده من يفعل ذلك، فتكرر معي نفس السيناريو في عهد حكومة حمدوك، لكن بتفاصيل مختلفة، فقد فرض عليّ الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات الشاب حسام حيدر اعتذارًا عن عبارة وردت في مقال الأستاذة سهير عبد الرحيم ” فكي منقة” ، فرض علي أن اكتب اعتذارا في ”
    المينشيت الأول”، ولما رفضتُ الأمر أوقف الصحيفة عن الصدور انتصارًا لخاله محمد الفكي عضو مجلس السيادة، وتطور الأمر بيننا حتى اودعتُه حراسة الشرطة..
    النظام الدكتاتوري ليس عسكريا في كل الأحوال فمن المدنيين يخرج نمرودٌ، وفرعون ونيرون، و لن ترضى السلطة الشمولية عن الإعلام والصحافة الحُرة حتى تتبع ملتها وتسبح بحمدها، فإن فعلت الصحافة ذلك فقد ظلمت نفسها وخانت أمتها وتنكرت للمبادي والقيم …اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.