بقلم/ محمد بابكر
لا تكمن المأساة السودانية الراهنة في أزيز الرصاص وصوت المدافع التي تهدُم المدن والقرى وتقتلع المواطنين من ديارهم فحسب وإنما في تلك الفجوة العميقة التي تجذرت بين الشارع المكتوي بنار الحرب وبين نخبه السياسية التي تتخبط في المهاجر والعواصم.
إن المواطن السوداني العادي الذي بات ينام على فجيعة ويستيقظ على نزوح ينظر اليوم بأسى وبصيرة نافذة إلى المشهد السياسي المشلول ويرى بوضوح كيف تحولت قضايا مصيره إلى أوراق للتفاوض ومساومات في الفنادق بينما تتسع في القاع مساحة التهميش والغربة داخل الوطن وخارجه.
السواد الأعظم من الشعب السوداني يقف اليوم موقف الناقد والمشكك تجاه التحالفات والكتل المدنية والقوى المحسوبة على المسار المدني إذ تسود الشارع قناعة راسخة بأن هذه التحالفات بدلا من أن تغرس جذورها في تربة الوطن وتستمد شرعيتها من معاناة الصامدين في الميدان والذين ضحو بأرواحهم من أجل الوطن آثرت تلك التحالفات الهروب إلى الخارج والاعتماد المفرط على الدعم الخارجي والوساطات الإقليمية والتنقل بين العواصم.
فمن منظور الرجل السوداني البسيط يبدو هذا الحراك المكثف في المهاجر مجرد غطاء لتعويض العجز الميداني والهشاشة الجماهيرية.
يتساءل الشارع بمرارة كيف للسياسي الذي غادر الوطن أن يمتلك مفاتيح الحل لواقع لا يعيش تفاصيله اليومية؟ وكيف لمن يفتقد التأثير المباشر على إيقاف الحرب أن يفرض رؤيته عبر مجرد بيانات وتصريحات تصدر من منابر خارجية؟
هذا الحراك الخارجي في عين المواطن أدى إلى رهن القرار الوطني المستقل لتقاطعات ومصالح إقليمية ودولية لا تشبه بالضرورة أولويات المواطن المتمثلة في الأمن والأمان ولقمة العيش.
في المقابل تدفع هذه التحالفات السياسية بحجة أخرى حيث ترى في تحركاتها الخارجية دبلوماسية سياسية واجبة ومسؤولة وتعتبر أن مناشدة المجتمع الدولي والضغط على الأطراف المتحاربة يمثل الطريق الوحيد المتاح لحقن الدماء وإيقاف نزيف الحرب وفتح المسارات الإنسانية معتبرة أن حماية المسار المدني الديمقراطي لا تتأتى إلا بالتواصل المكثف مع مراكز القرار العالمي.
إلا أن هذه الحجة على عقلانيتها النظرية تظل لدى الشارع المكلوم تبريرا فطيرا لفشل سياسي عريض لم يستطع بناء جبهة وطنية متماسكة على الأرض تزاحم البندقية وتوقف شلال الدم.
إن الجمود على موقف واحد يُعدّ عجزا عن استقراء المتغيرات فالممارسة السياسية الرشيدة تقتضي إعادة رسم المسارات وتعديل الخرائط المتّبعة كلما دعت الحاجة وصولا إلى الغايات الكبرى وتجنبا لتطويق الفرص المتاحة.
وتتجسد الفرصة التاريخية الراهنة في فتح أفق للحوار المباشر من الداخل لذا فإن إصرار القوى المدنية على اشتراط إيقاف الحرب كأولوية مطلقة قبل الجلوس قد يُفضي إلى إهدار السانحة وإطالة أمد الحرب دون طائل.
إن تمكّن المؤسسة العسكرية من وضع أوزار الحرب أو حسمها بمعزل عن القوى المدنية سيعمل على تجريد هذه القوى من ثقلها الاستراتيجي ويُخرجها نهائيا من معادلة إدارة الفترة الانتقالية ورسم مستقبل البلاد. وهو حق مستحق فكيف بمن ضحى بروحه ودمه أن يتساوى مع من وقف ضد جيشه وإرتمي في أحضان الخارج.
تستوجب الحكمة الوطنية الانتقال الفوري من حالة المناكفات الإعلامية والارتهان للمجتمع الدولي إلى التلاحم المباشر والبناء على إجراءات بناء الثقة حقنا للدماء وترسيخا لسيادة الإرادة الوطنية.
وفي قلب هذا المخاض المؤلم تبرز عقيدة الشارع السوداني الراسخة تجاه القوات المسلحة السودانية وإلتفافه حولها فهي في وجدان الشعب ليست مجرد طرف في معادلة سياسية وإنما هي مؤسسة سودانية أصيلة ملك خالص لشعب السودان وشكلت عبر التاريخ العمود الفقري لحماية التراب الوطني وسيادة البلاد.
الشعب السوداني يري بوعي تام أن من أكبر الجرائم التي ارتُكبت في حق هذا الوطن هي محاولات اختراق هذه المؤسسة العريقة أو تجييرها لصالح أيديولوجيات حزبيّة أو الزج بها في الصراعات والنزاعات السياسية الضيقة.
إن المحافظة على القوات المسلحة السودانية كجيش وطني موحد مهني ومستقل عن التجاذبات والحسابات الحزبية هو شريان الحياة الوحيد لبقاء الدولة السودانية متماسكة.
إن الزج بالجيش في المعترك السياسي وإضعاف هيبته أدخلت البلاد في هذه المحرقة لذا يطالب الشعب الأحزاب السودانية بدعم هذه المؤسسة الوطنية والمحافظة عليها مع إبعادها تماما عن الاستقطاب السياسي لتظل حصنا للجميع وحامية للدستور والحدود.
إن هذه الأزمة الشاملة وخيبة الأمل الشعبية ليست نبتة شيطانية نمت بعد حرب أبريل 2023 بل هي ثمرة مرّة لثقافة الإقصاء السياسي التي شُيدت عليها الدولة السودانية منذ فجر الاستقلال في عام 1956.
عاش السودان منذ سبعة عقود على وقع حلقة مفرغة مكررة تبدأ بديمقراطية هشّة تُقصي مخالفيها وتنشغل بالصراعات الحزبية الضيقة فيستغل المدنيون الطامعون في الحكم الخلل للقيام بانقلاب يعزل الجميع ثم تندلع انتفاضة أو ثورة شعبية تسقط النظام لتعود النخب ذاتها وتبدأ دورة جديدة من الإقصاء.
لم تستطع الأحزاب والقوى الوطنية طوال هذه العقود أن تجلس تحت مظلة عقد اجتماعي يسع الجميع ويحترم التنوع السوداني الفريد.
منذ استقلال البلاد تم التعامل مع المخالف في الرأي ليس كشريك في الوطن بل كعنصر يجب إزاحته أو تخوينه وصُنف كل من ينادي بدعم مؤسسات الدولة (الجيش) كأمير حرب أو داعم للاستبداد.
هذا الاستقطاب الحاد والتعامي عن صوت العقل أدى إلى تشظي الجبهة الداخلية وجعل المشهد السياسي السوداني يغرق في ضبابية كثيفة لا يستطيع المواطن العادي معها تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
فقد أدت سياسة (إن لم تكن معي فأنت ضدي) إلى تغليب المصالح الحزبية والأيديولوجية والقبلية الضيقة على مصلحة الوطن الكبرى. ونتيجة لهذا الفراغ السياسي والفكري أصبحت الساحة السودانية مكشوفة أمام التدخلات الأجنبية وبات الحوار الوطني الفعلي غائبا لحساب خطابات الكراهية والتصفيات السياسية.
إن الشارع السوداني الذي قدم التضحيات الجسام في كافة ثوراته المتعاقبة لم يعد يشتري الشعارات المذهبة ولا البيانات المطولة التي صاغتها أيدي السياسيين في دول الجوار.
إن المواطن السوداني الآن يتطلع إلى رؤية قادته وسياسييه ومفكريه يضعون أيديهم في أيدي بعضهم البعض داخل السودان مستندين إلى إرادة الشعب وليس إلى مظلات الفنادق وقاعات المؤتمرات الدولية.
إن الدبلوماسية الخارجية مطلوب دورها كمساعد ولكن لا يجب أن تكون بديلا عن الشرعية الشعبية والارتباط بالداخل.
كما يطالب الشعب بترسيخ دمج كل المظاهر المسلحة في جيش وطني واحد مهني مع إبعاد الجيش كليا عن لعبة السلطة والمحاصصات السياسية ليتفرغ لدوره الدستوري في حماية البلاد إلى جانب كفّ أيدي الإقصاء والتخوين والاعتراف بأن السودان ملكٌ لجميع أبنائه الشرفاء وأن أي عملية سياسية قادمة يجب أن تقوم على الشفافية والعدالة والانتقال الديمقراطي الشامل دون محاولة طرف يحتكر رسم المستقبل بمفرده.
الشارع يريد حلا عاجلا يوقف أزيز الرصاص ويضمن عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم ويحاسب المتورطين في الانتهاكات قبل الخوض في قسمة الكعكة وتوزيع المناصب والمحاصصات الحزبية.
السودان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما
إما أن تستمر النخب والكتل السياسية في ألعابها التاريخية القديمة القائمة على الإقصاء والارتهان للخارج والاستقواء بالقوة المادية أو الدبلوماسية وهو الطريق الذي يقود البلاد مباشرة نحو التفتت الكامل وضياع الدولة.
وإما أن تستفيق هذه القوى على وقع الفاجعة الوطنية الحالية فتتداعى لتأسيس مشروع وطني جامع يتجاوز أحقاد الماضي وعثرات الحاضر.
إن الشعب السوداني لم يفقد إيمانه بوطنه ولا بمؤسساته الوطنية الأصيلة وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية لكنه فقد الثقة تماما في الطبقة السياسية التي جعلت من آلامه منصة للتكسب والتفاوض. ولن تعود الثقة إلا حينما يرى المواطن أن البوصلة قد ضبطت مجددا نحو الداخل وأن كلمة الصدق والحل لم تعد تُستورد من الخارج بل تصنع بأيدي أبناء السودان المخلصين على أرض الوطن.











إرسال تعليق