بقلم: غادة المنصور العجب
في كل مرة نتحدث فيها عن أزمات السودان نبحث عن الأسباب في كل الاتجاهات: الحرب، الاقتصاد، ضعف البنية التحتية، نقص الموارد، الفقر، البطالة، تراجع الخدمات، وهجرة الكفاءات. وكلها أسباب حقيقية ومؤثرة جداً لكن هناك سؤالاً أكثر عمقاً يجب أن نطرحه على أنفسنا:
هل مشكلتنا في السودان هي دائماً نقص الموارد ؟؟
أم أننا نعاني قبل ذلك من أزمة إدارة؟
فالسودان بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية أرض واسعة، ومياه، وثروة حيوانية، وذهب، وزراعة، وموقع جغرافي مميز، وثروات متعددة، والأهم من ذلك كله إنسان سوداني لديه القدرة على العمل والإبداع وقبل كل هذا وذاك الصبر
رغم ذلك ظل السودان لسنوات طويلة يعاني من أزمات متكررة بينما تتراجع الخدمات وتتآكل المؤسسات وتتبدد الفرص.
وهنا تظهر الحقيقة التي ربما لا نحب سماعها:
الثروة وحدها لا تصنع دولة والموارد وحدها لا تصنع نهضة الذي يصنع الفارق هو الإدارة الصحيحه
الإدارة السليمة ليست مجرد مكاتب وقرارات وأختام وليست منصباً يحصل عليه الإنسان ثم يمارس السلطة من خلاله الإدارة امانه قبل كل شي وهي مسؤولية وعلم وتخطيط ومتابعة ومحاسبة وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
ولعل السودان دفع ثمناً باهظاً عندما اختلطت الإدارة في كثير من الأحيان بالمحسوبية والمجاملة وأصبح معيار الاختيار في بعض المواقع ليس دائماً الكفاءة والخبرة للأسف وإنما العلاقات والولاءات والانتماءات.
وحين يوضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب لا تتوقف المشكلة عند حدود ضعف أدائه بل يدفع المجتمع كله للأسف ثمن هذا الاختيار
إن بناء السودان لا يحتاج فقط إلى الأموال وإنما يحتاج إلى إدارة تعرف أين تضع المال وكيف تستثمره وكيف تمنع هدره وكيف تراقب نتائجه.
كم من مشروع بدأ ثم توقف؟
وكم من أموال صُرفت دون أن يشعر المواطن بنتيجة حقيقية؟
وكم من منشأة كان يمكن أن تكون مصدراً للإنتاج والدخل والفائده للجميع لكنها تحولت إلى عبء؟
وكم من كفاءة سودانية غادرت البلاد لأنها لم تجد البيئة التي تقدر خبرتها؟
هذه الأسئلة لا تعني التقليل من حجم الظروف التي مر بها السودان ولا تجاهل آثار الحرب والأزمات لكنها تعني أننا إذا أردنا بناء دولة جديدة متطوره فعلينا أن نراجع طريقة إدارتنا للدولة قبل أن نتحدث عن حجم الموارد التي نحتاجها
الكفاءة قبل الولاء
السودان اليوم يحتاج إلى تغيير حقيقي في مفهوم اختيار المسؤول
المسؤول ليس من يملك القدرة على الكلام ولا من يمتلك أكبر شبكة من العلاقات ولا من يستطيع جمع أكبر عدد من المؤيدين
المسؤول الحقيقي هو من يستطيع أن يحقق نتيجة
نحتاج إلى أن يصبح السؤال عند اختيار أي مسؤول:
ماذا يستطيع أن يقدم؟
ما خبرته؟
ما خطته؟
وما الذي حققه سابقاً؟
فالدولة ليست مكاناً لتجربة الأشخاص ومؤسساتها ليست ملكاً لأحد
المناصب العامة تكليف وليست تشريفاً والسلطة امانه ومسؤولية وليست امتيازاً
السودان يحتاج إلى إدارة جديدة تمتلك القوة والإرادة
إذا أردنا أن نعيد بناء السودان فلا بد أن نعيد بناء مفهوم الإدارة نفسه
نحتاج إلى مؤسسات تعمل وفق أنظمة واضحة وإلى خطط لا تتغير بتغير الأشخاص وإلى أهداف يمكن قياسها وموازنات تخضع للرقابة ومشروعات تُقيّم نتائجها ومسؤول يعرف أنه سيُسأل عن قراراته اولاً امام الله ثم امام الناس
نحتاج إلى إدارة لا تخاف من النقد ولا تعتبر المساءلة عداءً ولا ترى الاعتراف بالخطأ ضعفاً بل قوة
المدير الناجح هو الذي يستطيع أن يقول: أخطأت وسأصحح الخطأ.
وهذا هو الفارق بين إدارة تبحث عن النجاح وإدارة تبحث عن تبرير الفشل
ما بعد الحرب ليس كما قبلها
وإذا كان السودان مقبلاً على مرحلة إعادة بناء فإن السؤال الأهم ليس فقط: من أين سنأتي بالأموال؟
بل:
كيف سنضمن أن تُدار هذه الأموال بصورة صحيحة؟
إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس والمصانع والمشروعات الزراعية أمر مهم لكن الأهم هو بناء العقل الإداري الذي سيحافظ عليها ويطورها.
فيمكن أن نبني مستشفى حديثاً لكن إذا غابت الإدارة الجيدة فلن يستمر في تقديم الخدمة
ويمكن أن ننشئ مشروعاً زراعياً ضخماً لكن إذا غاب التخطيط والمتابعة والسوق والإدارة فقد يتحول إلى خسارة.
ويمكن أن تتوفر مليارات الدولارات لكن إذا غابت الشفافية والمحاسبة والخوف من الله فلن تصل التنمية إلى المواطن بالشكل الذي يستحقه.
لذلك فإن إعادة إعمار السودان يجب ألا تكون إعماراً للحجر فقط وإنما إعماراً للإنسان نفسه ثم المؤسسات والعقل الإداري.
لا نحتاج إلى إدارة مثالية… بل إلى إدارة مسؤوله وتخاف الله في خلقه
ليس المطلوب أن نجد أشخاصاً لا يخطئون فهذا غير موجود.
المطلوب أن نجد أشخاصاً يتعلمون من أخطائهم ويعملون وفق خطة ويقبلون المحاسبة ويضعون مصلحة الوطن فوق مصالحهم الخاصة
نحتاج إلى مدير يعرف أن المال العام ليس مالاً بلا صاحب.
والمشروع العام ليس فرصة شخصية
والوظيفة ليست حقاً مكتسباً
والمنصب ليس ملكية دائمة
إنها مسؤوليات مؤقتة وسيأتي يوم يُسأل فيه كل مسؤول: ماذا فعلت بما أُوكل إليك؟
السودان غني… فلنُحسن إدارة غناه
ربما لا نستطيع أن نغير كل شيء في يوم واحد لكن يمكننا أن نبدأ من نقطة أساسية:
أن نضع الكفاءة مكان المحسوبية والمؤسسة مكان الفرد والقانون مكان المزاج والتخطيط مكان العشوائية والمحاسبة مكان الإفلات من المسؤولية
عندها فقط يمكن أن تتحول موارد السودان من أرقام نتحدث عنها إلى مشروعات نراها ومن ثروات مدفونة إلى فرص عمل ومن إمكانات معطلة إلى اقتصاد منتج ومن أحلام مؤجلة إلى واقع.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يملك المال بل إلى من يعرف كيف يديره
ولا يحتاج فقط إلى من يرفع الشعارات بل إلى من يستطيع تحويل الشعارات إلى خطط والخطط إلى عمل والعمل إلى نتائج.
وفي النهاية قد تكون المعادلة التي نحتاج أن نتذكرها دائماً بسيطة جداً:
موارد بلا إدارة = هدر.
إدارة بلا كفاءة = فشل.
إدارة بكفاءة ونزاهة ومساءلة = بداية نهضة.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة لا يجب أن تكون فقط مع الفقر والدمار وإنما أيضاً مع سوء الإدارة.
فإذا أردنا سوداناً أقوى فعلينا أن نبني أولاً مؤسسات أقوى.
وإذا أردنا مؤسسات أقوى فعلينا أن نضع الأكفأ في مواقع المسؤولية.
وإذا أردنا أن نحافظ على مواردنا فعلينا أن نحسن إدارتها.
فأساس نجاح السودان ليس أن نملك الكثير… وإنما أن نعرف كيف ندير ما نملك.
والإدارة السليمة ليست ترفاً في مرحلة بناء الدولة؛ إنها نقطة البداية











إرسال تعليق