ضمان الذهب لاستيراد الوقود: حلقة جديدة في مسلسل الاحتكار

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 5:37 م
  • الزيارات : 19
  • عمر سيد احمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

    O.sidahmed09@gmail.com

    يونيو 2026

    يُثير القرار الأخير لبنك السودان المركزي، القاضي باشتراطإيداع مئتي كيلوجرام من الذهب عيار واحد وعشرين ضماناًمسبقاً لمنح شهادة عدم الممانعة لاستيراد المنتجات البترولية،جملةً من التساؤلات الجوهرية التي تتجاوز الإجراء ذاته إلىبنية الأزمة الاقتصادية السودانية في عمقها.

    أولاً: السند القانوني المغيّب

    يختص البنك المركزي بالسياسة النقدية وإدارة النقدالأجنبي والرقابة المصرفية، أما إجراءات استيراد الوقودفترتبط في جوهرها بالسياسات التجارية والتموينيةوسياسات الطاقة. ومن ثَمَّ يبقى السؤال قائماً: ما السندالقانوني الذي يُخوِّل البنك المركزي فرض مثل هذا الشرط؟وهل جرى التنسيق المؤسسي الكافي مع وزارتي الطاقةوالتجارة قبل إصداره؟

    هل ثمة مسوّغ لهذا الإجراء؟

    قد تكون سلطات بنك السودان بصدد توفير موارد نقدأجنبي بالسعر الرسمي، الذي يقل عن سعر السوق الموازيبأكثر من ألف ومئتي بالمئة، ولهذا تشترط على المستوردينإيداع ضمانات ذهبية تُثبت جديتهم وملاءتهم المالية قبلتخصيص هذه الموارد النادرة لهم. غير أن السؤال الذييفرض نفسه بإلحاح: لماذا هذا الكم الضخم من الذهب الذييعادل ملايين الدولارات ضماناً مسبقاً؟ لا يبدو هذا المبلغمعقولاً إجراءً لضمان الجدية، بل يبدو مُصمَّماً بعنايةلإقصاء كل المستوردين باستثناء فئة بعينها، وهمالمستوردون الحاليون أنفسهم الذين يُحكمون قبضتهم علىسوق الوقود، ويُضاربون في سوق العملة، ويستمدوننفوذهم من شبكة علاقاتهم مع طفيليي النظام السابق أو مندعمهم المباشر. وبهذا يتحول القرار من إجراء ضبط إلىأداة تكريس للاحتكار بغطاء رسمي.

    ثانياً: حاجز دخول يُعيد إنتاج الاحتكار

    يمثل اشتراط مئتي كيلوجرام من الذهب حاجزَ دخول مرتفعاًللغاية، لا تقدر على تجاوزه إلا الشركات ذات الملاءة الماليةالضخمة. والأخطر من ذلك أن هذه الشركات هي بعينهاالكيانات التي ورثت سوق الاستيراد من حقبة النظامالسابق، وراكمت ثرواتها عبر علاقات ملتوية بالسلطةوالسوق الموازي للعملة معاً. فالقرار بهذه الصورة لا يُصلحالسوق، بل يُكرِّس احتكاره بثوب جديد.

    ثالثاً: جذور الأزمة الحقيقية

    لم يُفضِ تحرير استيراد الوقود وانسحاب الدولة من دورهاالمباشر في توفير النقد الأجنبي إلى قيام سوق تنافسيةحقيقية، بل أفرز تمكين مجموعة محدودة من الشركاتسيطرت على الاستيراد والتوزيع، فيما تُركت عملية الحصولعلى العملات الأجنبية لمضاربات السوق الموازي.

    والنتيجة كانت حتمية: حمَّل المستوردون تكلفة النقد الأجنبيبالكامل إلى المستهلك النهائي، مزارعاً كان أم صناعياً أمناقلاً أم مواطناً عادياً، فارتفعت تكاليف الإنتاج والنقلوالمعيشة، وتسارع تدهور قيمة الجنيه السوداني، بينماتحققت مكاسب طائلة لفئة المستوردين والمتعاملين في سوقالصرف الموازي.

    رابعاً: السؤال الذي لا مفر منه

    إذا كانت الدولة تلجأ إلى اشتراط ضمانات استثنائيةبالذهب لاستيراد الوقود، فهل يعكس ذلك أزمة حقيقية فيالاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي؟ الدول لا تلجأ إلىمثل هذه الإجراءات إلا تحت ضغط شديد على احتياطياتها. وإن كان الأمر كذلك، فجوهر الأزمة لا يكمن في الضماناتالمطلوبة من المستوردين، بل في ثلاثة مسارات متشابكة: استمرار تهريب الذهب، وخروج حصائل الصادرات خارجالجهاز المصرفي، وضعف قدرة البنك المركزي على تجميعموارد النقد الأجنبي وإدارتها.

    خامساً: الحل المُغيَّبمؤسسة البترول الوطنية

    كان السودان يمتلك عبر مؤسسة البترول الوطنية آليةً أكثرقدرة على إدارة الاستيراد المركزي للوقود، غير أن سياساتالتحرير غير المنضبط نقلت هذه الوظيفة تدريجياً إلىالقطاع الخاص، دون بناء سوق نقد أجنبي منظم أو بيئةتنافسية حقيقية. فكانت النتيجة ارتفاع التكلفة، واتساعالمضاربات، وتزايد الأعباء على المنتجين والمستهلكين.

    إن إعادة تفعيل مؤسسة البترول الوطنية وتمكينها مناستعادة دورها في الاستيراد المباشر، مع إخضاعها لأعلىمعايير الشفافية والرقابة والمراجعة المستقلة، يمثل المسارالأجدى والأكثر استدامة. فالوقود سلعة استراتيجية تتشعبتأثيراتها في كل مفاصل الاقتصاد الوطني، ولا يجوز أنيظل استيرادها رهينةً لمصالح فئات محدودة استفادت منتشوهات السوق عقوداً متتالية.

    خلاصة

    معالجة أزمة الوقود وسعر الصرف لن تتحقق بفرض المزيدمن الضمانات الاستثنائية، بل بمسار إصلاحي متكامليقوم على ثلاثة محاور متوازية: إصلاح إدارة النقد الأجنبيواسترداد حصائل الصادرات، وإيقاف تهريب الذهبوتجفيف منابعه، وإعادة تمكين مؤسسات الدولة من إدارةالموارد الاستراتيجية بكفاءة وشفافية تخدم الاقتصادالوطني لا مصالح المحتكرين.