بقلم/ د معاذ شرفي
“إختصاصي الأمراض النفسية- خبير إدارة الكوارث والحروب”
الفساد المهني ليس مجرد سلوك فردي منحرف أو غياب للنزاهة، بل هو ظاهرة معقدة تتداخل فيها التركيبة النفسية للموظف مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعمل بها.
عند تفكيك هذه الظاهرة من **منظور نفسي اجتماعي (Psycho-social)**، نجد أن السلوك الفاسد يولد عند نقطة التقاء الدوافع الداخلية بالضغوط والمبررات الخارجية.
## أولاً: المنظور النفسي (الدوافع والآليات الداخلية)
يركز الجانب النفسي على ما يدور في عقل الموظف الفاسد وكيف يبرر لنفسه هذا السلوك:
* **تشويه الإدراك والتحلل الأخلاقي (Moral Disengagement):** نادراً ما يرى الشخص الفاسد نفسه “شريراً”. يطور العقل حيلًا دفاعية لتبرير الفعل، مثل:
* *التقليل من الضرر:* “المؤسسة غنية ولن تخسر شيئاً من هذا المبلغ البسيط”.
* *المقارنة المواتية:* “ما أفعله لا يقارن بما يسرقه كبار المسؤولين”.
* *إزاحة المسؤولية:* “الجميع يفعل ذلك، والأوضاع هي التي أجبرتني”.
* **سيكولوجية الاستحقاق المزيف (Entitlement):** شعور الموظف بأن جهده غير مقدر، أو أن راتبه أقل مما يستحق، يولد لديه شعوراً بـ “العدالة التعويضية”؛ فيرى في الرشوة أو الاختلاس حقاً مكتسباً لتعويض غبن متخيّل.
* **النرجسية وضعف التعاطف:** يتميز بعض الممارسين للفساد بسمات نرجسية تجعلهم يضعون مصلحتهم الشخصية فوق مصلحة المجموع، مع عمى عاطفي تجاه الضرر الذي يلحقونه بالآخرين (كالمواطنين أو زملائهم).
* **التكيف التدريجي (تأثير المنحدر الزلق):** الفساد يبدأ خطوة صغيرة (كقبول هدية بسيطة أو استخدام موارد العمل لأغراض شخصية)، ومع تكرار الفعل دون عقاب، يقل تأنيب الضمير حتى يصبح الفساد الكبـير سلوكاً عادياً ومألوفاً.
## ثانياً: المنظور الاجتماعي (البيئة والثقافة الحاضنة)
يركز الجانب الاجتماعي على القوى الخارجية والروابط التي تشجع الفساد أو تفرضه كأمر واقع:
* **ثقافة “القطيع” والامتثال الاجتماعي (Social Conformity):** عندما يدخل موظف نزيه إلى بيئة عمل فاسدة، يواجه ضغطاً اجتماعياً هائلاً. إما أن يمتثل للنظام الفاسد السائد ليتم قبوله، أو يُعزل ويُنظر إليه كـ “شاذ” أو تهديد للمجموعة (ظاهرة “النزاهة المنبوذة”).
* **تداخل الولاءات (القرابة مقابل المهنية):** في بعض المجتمعات، تقدم الروابط الاجتماعية (القبيلة، العائلة، الأصدقاء) على الكفاءة المهنية. يُصبح “الفساد” (كالمحسوبية والوساطة) واجباً اجتماعياً وأخلاقياً في نظر الشخص لخدمة أقاربه، ويُسمى خطأً “مساعدة أو صلة رحم”.
* **التعلم الاجتماعي ونمذجة السلوك (Social Learning):** وفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي، يتعلم الأفراد السلوكيات من خلال مراقبة الآخرين. عندما يرى الموظف الجديد أن الفاسدين يُرقون ويحظون بالوجاهة الاجتماعية، بينما النزهاء يُهمشون، فإنه يتبنى الفساد كـ “نموذج نجاح”.
* **ضعف رأس المال الاجتماعي:** عندما تفقد المجتمعات الثقة في المؤسسات والقوانين، تضعف قيمة “المواطنة” ويحل محلها الفكر الفردي البراغماتي: “إن لم أستغل منصبي اليوم، فلن ينفعني أحد غداً”.
## ثالثاً: الحلقة المفرغة (التغذية الراجعة بين النفسي والاجتماعي)
الخطورة تكمن في تحول الفساد من “انحراف فردي” إلى **”بنية اجتماعية مشوهة”**، حيث يحدث الآتي:
1. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تضغط على نفسية الفرد.
2. يتنازل الفرد نفسياً ويبرر الفساد لنفسه.
3. بمرور الوقت، تتحول التبريرات الفردية إلى “أعراف اجتماعية متبادلة” (مثل إطلاق مسميات إيجابية على الفساد: “شطارة”، “تسهيل أمور”، “إكرامية”).
4. تصبح هذه الأعراف هي الموجه الأساسي لتنشئة الأجيال والموظفين الجدد.
## المقاربة العلاجية من هذا المنظور
بما أن المشكلة ليست تشريعية فقط، فإن الحلول القانونية (كالعقوبات) تظل قاصرة إن لم ترافقها معالجة نفسية واجتماعية:
* **إعادة بناء ثقافة المؤسسة:** خلق بيئة عمل تعزز الشفافية والعدالة في التقييم، لقطع الطريق على شعور الموظف بالمظلومية (الدافع النفسي).
* **تحفيز الردع الاجتماعي للنفس:** تفعيل دور الإعلام والتعليم لتعرية المصطلحات التجميلية للفساد، وإعادة ربطه بالخزي الاجتماعي بدلاً من الوجاهة والشطارة.
* **حماية النزاهة:** توفير نظام آمن لحماية المبلغين عن الفساد، لكسر حاجز الخوف وضغط الجماعة الفاسدة داخل بيئات العمل.











إرسال تعليق