التضخم في السودان حين يتحول الراتب إلى ضيف عابر

  • بتاريخ : 21 سبتمبر، 2026 - 4:22 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    افتح محفظتك في أول الشهر ،، ثم انظر إليها بعد أسبوعين فقط ..

    لن تجد بالضرورة نقودًا أقل ،، لكنك ستجد أن ما كانت تشتريه هذه النقود قد تقلّص ..
    هذا هو التضخم في أبسط صوره :
    ليس رقمًا في نشرة اقتصادية ،، بل شعورًا يوميًا بأن الراتب يغادر البيت أسرع مما ينبغي ،، كضيفٍ قصير الإقامة لا يمكث طويلًا مهما حاولنا استبقاءه ..

    من 77.2% في 2023 ،، إلى قفزة صادمة بلغت 187.8% في ديسمبر 2024 ،، ثم تراجع إلى 68.15% في ديسمبر 2025 ،، وفق بيانات بنك السودان المركزي والجهاز المركزي للإحصاء ..

    أرقام تتغير على الورق ،، لكن خلفها حكاية واحدة لا تتغير :
    أسرة تعيد حساباتها كل مساء ..

    وقد لا يكون هذا المقال سوى محاولة متواضعة لقراءة هذه الأرقام من زاوية المواطن ،، عسى أن تصل هذه القراءة إلى القائمين على الشأن الاقتصادي في بلادنا ،، فتكون إضافة صغيرة ،، ولو بقدر يسير ،، إلى الجهود الكبيرة التي تُبذل أصلًا من أجل استقرار الأسعار وحماية معاش الناس ..

    *حين يتراجع الرقم ولا يتراجع الألم*
    أول ما يجب أن نتفق عليه :
    تراجع معدل التضخم لا يعني أن الأسعار انخفضت ..

    حين ننتقل من 187.8% إلى 68.15% ،، فنحن لا نقول إن السلع أرخص ،، بل إن سرعة ارتفاع أسعارها أصبحت أبطأ ..

    الفرق هنا جوهري ،، لأن الأسعار قد تكون واصلت الصعود ،، ولو بوتيرة أهدأ ..

    ومن المهم أن نتذكر أن هذه الموجة الحادة لم تبدأ مع الحرب فقط ،، فقد سبق أن سجّل التضخم في السودان أعلى معدلاته على الإطلاق بنحو 422% في يوليو 2021 ،، أي أن الاقتصاد كان يعاني هشاشة عميقة قبل أن تضيف الحرب صدمة جديدة فوق أزمة قائمة أصلًا ..

    من هنا ينشأ الالتباس الذي يحيّر كثيرين :
    الاقتصادي الحصيف يرى في الرقم تباطؤًا في وتيرة التضخم ،، لا تحسنًا في الأسعار ،، فالفارق بين الاثنين جوهري كما أسلفنا ..
    أما المواطن ،، فلا يعنيه هذا الفارق الفني بقدر ما يعنيه واقع السوق أمامه :
    أسعار ما زالت ترتفع ،، ولو بوتيرة أهدأ من ذي قبل ..
    والسبب بسيط :
    المواطن لا يشتري *معدل التضخم* ،، المواطن يشتري الدقيق والزيت والدواء ..

    *حين يدخل التضخم إلى المطبخ*
    التضخم لا يصل إلى البيوت في هيئة تقرير ،، بل في هيئة فاتورة :
    الدقيق ،، الزيت ،، السكر ،، اللحوم ،، الإيجار ،، المواصلات ،، الكهرباء ،، التعليم ..
    وحين ترتفع هذه البنود أسرع من الدخل ،، تبدأ الأسرة سلسلة من القرارات المؤلمة :
    تأجيل شراء ،، استبدال سلعة بأخرى أرخص ،، تقليل الكمية ،، تأجيل العلاج ،، ثم استهلاك المدخرات ،، وأخيرًا الاقتراض ..

    هكذا يتحول التضخم ،، بهدوء ،، من أزمة أسعار إلى أزمة استقرار اجتماعي داخل البيت الواحد ..

    *جذور الأزمة .. أكثر من سبب واحد*
    لا توجد إجابة واحدة لسؤال (لماذا انفجر التضخم؟) ..

    الحرب كانت الصدمة الأكبر :
    عطّلت الإنتاج ،، دمّرت البنية التحتية ،، وأربكت حركة التجارة والنقل ..
    وحين يتراجع الإنتاج بينما يبقى الطلب على السلع الأساسية كما هو ،، ترتفع الأسعار حتمًا ..

    ثم أضاف سعر الصرف طبقة جديدة من الضغط ..

    فأي اقتصاد يعتمد على الاستيراد يصبح رهينًا لأي تراجع في قيمة عملته ..
    والسلسلة تتكرر :
    جنيه أضعف ،، فتكلفة استيراد أعلى ،، فمدخلات إنتاج أغلى ،، فسلعة أغلى ،، فقوة شرائية أقل ..

    *ثم هناك عامل ثالث ،، أقل ظهورًا لكنه لا يقل خطورة :*
    الكتلة النقدية ،، أو ما يُعرف بالعرض النقدي ،، ارتفعت خلال هذه الفترة بمعدلات قاربت 100% ..
    فحين يضعف أداء الموازنة العامة ،، وتتسع الفجوة بين الإيراد والإنفاق ،، خاصة في سنوات الحرب ،، تلجأ الدولة إلى تمويل عجزها عبر ضخ مزيد من النقد ..

    والنتيجة أن كمية النقود المتداولة تتضخم أسرع بكثير من تضخم السلع والخدمات المتاحة فعليًا في السوق ،، فيرتفع الطلب الكلي بوتيرة حادة بينما يبقى المعروض كما هو أو أقل ..

    ومع كل جنيه جديد يُضخ دون أن يقابله إنتاج حقيقي ،، تفقد الوحدة النقدية جزءًا من قيمتها ..

    *ببساطة :*
    حين يزيد النقد في جيوب الناس أسرع مما تزيد السلع في الأسواق ،، فإن كل جنيه يشتري أقل مما كان يشتريه بالأمس ..

    *وإلى جانب هذا ،، جاء عامل رابع من داخل السياسة المالية نفسها :*
    فرضت الدولة رسومًا كبيرة على المنتج وعلى المستهلك ،، وعلى كثير من السلع والخدمات ،، سعيًا لتعزيز الإيراد العام ..

    لكن هذه الرسوم انعكست مباشرة على الأسعار ،، فارتفعت التكلفة على المنتج ،، وارتفع السعر على المستهلك ،، في علاقة شبه موازية بين الاثنين ..

    وأضافت إليها تكاليف الإنتاج المتصاعدة من كهرباء وعمالة ووقود وغيرها ،، فاجتمع ضغط الطلب الزائد مع ضغط التكلفة المرتفعة ،، ليصنعا معًا موجة تضخم من طرفين لا من طرف واحد ..

    *وهناك عامل خامس ،، لا تصنعه سياسة ولا تفرضه صدمة خارجية ،، بل يصنعه سلوك السوق نفسه :*
    حين يرتفع سعر الصرف أو تتوقع السوق ارتفاعًا مقبلًا ،، يبادر بعض التجار إلى رفع سعر السلعة الموجودة أصلًا على الرف ،، رغم أنها اشتُريت بالسعر القديم قبل أي ارتفاع فعلي في التكلفة ..

    *وهنا يجدر التوقف قليلًا :*
    فمن حق التاجر أن يعوّض ارتفاع تكلفة *إعادة الشراء* حين يأتي فعلاً ،، أما أن *يُحمَّل المستهلك* اليوم فرقًا لم تتكبده السلعة التي بين يديه ،، فذلك دخل إضافي وهمي لا يقابله أي تكلفة حقيقية ..

    *والمعيار الأخلاقي هنا واضح وبسيط :*
    تُقاس الزيادة بقيمة الشراء الحقيقي للسلعة الجديدة حين تدخل فعلاً ،، لا بتغيير السعر على الرف تحسبًا لما قد يحدث ..

    فحين تتحول التوقعات وحدها ،، دون أي تكلفة فعلية ،، إلى مبرر لرفع السعر ،، فإن ذلك سلوك يستحق أن يُعاد النظر فيه ،، فهو يزيد عبء الغلاء على المواطن دون أن يخدم التاجر نفسه على المدى الطويل ،، إذ تتآكل به ثقة الزبون شيئًا فشيئًا ..

    حلقة لا تُكسر بقرار واحد ،، ولا بسياسة واحدة ..

    *الإنتاج .. جل الحل لا نصفه*
    إذا حصرنا التفكير في كمية النقود المتداولة وحدها ،، فنحن نرى جانبًا صغيرًا من المشكلة ..
    أما الجانب الأكبر ،، بل الحاسم ،، فهو الإنتاج ..

    فالجنيه يحتاج إلى ما يسنده من سلع وخدمات حقيقية ،، وكلما اتسع الإنتاج المحلي ،، ازداد المعروض ،، وقلّت الحاجة إلى الاستيراد ،، وتحسنت قدرة الاقتصاد على توليد نقد أجنبي حقيقي ..

    والحقيقة أن توفر الإنتاج بالقدر الكافي يكاد يُغني عن كثير من السياسات النقدية المعقّدة أصلًا ،، فحين يمتلئ السوق بالسلع المحلية ،، تضعف قدرة أي صدمة خارجية على تحريك الأسعار ،، ويصبح الجنيه مسنودًا بواقع ملموس لا بإجراءات مؤقتة ..

    *بمعنى آخر :*
    طريق خفض التضخم لا يبدأ من مكاتب السياسة النقدية وحدها ،، بل يمر أساسًا من المزرعة والمصنع والميناء والمصرف والسوق ،، فإذا استقام هذا الطريق ،، تراجعت الحاجة إلى كثير مما نسميه اليوم (علاجات) ..

    *لماذا يبدو الغلاء أكبر مما يقوله الرقم الرسمي؟*
    لأن المتوسط لا يعبّر عن تجربة كل أسرة على حدة ..

    الأسر محدودة الدخل تُنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والسكن والدواء ،، وهي البنود الأكثر تأثرًا بالتضخم ..

    فقد ينخفض الرقم الكلي بينما تواصل سلع أساسية بعينها ارتفاعها ،، فيظل المواطن غير شاعر بأي تحسن ..
    المؤشر *يقيس الاقتصاد* ،، لكن الأسرة *تعيش التفاصيل* ..

    *ماذا نفعل؟*
    التضخم ليس قدرًا محتومًا ،، لكن علاجه يحتاج أكثر من قرار واحد :

    *· إعادة الإنتاج إلى قلب السياسة الاقتصادية :*
    كل مصنع يعود للعمل ،، وكل فدان يُستزرع ،، وكل مشروع صغير يستأنف نشاطه ،، هو خطوة نحو خفض الضغط على الأسعار ..

    *· ضبط إنتاج الذهب وتصديره عبر القنوات الرسمية :*
    الذهب يمثل أحد أكبر موارد السودان من النقد الأجنبي ،، وإذا انتُزع من قبضة القنوات الموازية وأُعيد توجيهه بالكامل نحو التصدير الرسمي ،، فإن ذلك وحده كفيل بقلب ميزان التجارة لصالح البلاد ،، بحيث تفوق قيمة الصادرات قيمة الواردات ..

    وحين يتحقق ذلك ،، يجد الجنيه سندًا حقيقيًا من عملة صعبة داخلة عبر القنوات الرسمية ،، فيتوقف انزلاقه ،، ويخفّ الضغط التضخمي الناتج عن ضعف سعر الصرف ..
    فمعالجة ملف الذهب ليست بندًا فنيًا هامشيًا ،، بل قد تكون المفتاح الأسرع لاستعادة توازن العملة والحد من التضخم في آن واحد ..

    *· توجيه التمويل المصرفي نحو الاقتصاد الحقيقي :*
    الزراعة ،، الصناعة ،، الثروة الحيوانية ،، سلاسل الإمداد ..
    فالقرض الذي يتحول إلى محصول أو مصنع يعمل يختلف جذريًا عن أموال تدور في السوق دون أن تضيف سلعة جديدة ..

    *· معالجة سعر الصرف من جذوره لا من سطحه :*
    عبر صادرات حقيقية ،، وتحويلات مصرفية موثوقة ،، واستثمار ،، وتضييق الفجوة بين القنوات الرسمية والموازية ..

    والذهب والثروة الحيوانية والسمسم والصمغ العربي والحبوب الزيتية والقطن ليست مجرد موارد ،، بل أدوات لبناء تدفقات مستدامة من العملة الصعبة إذا أُحسن تنظيم إنتاجها وتسويقها ،، وفي مقدمتها الذهب باعتباره الأسرع أثرًا والأكبر حجمًا ..

    *زيادة الرواتب وحدها لا تكفي*
    رفع الأجور والمعاشات قد يكون ضروريًا في ظروف بعينها ،، لكنه ليس علاجًا كاملاً ..

    فإذا زادت الدخول النقدية دون أن يواكبها إنتاج حقيقي ،، فقد ترتفع الأسعار من جديد ..

    تخيل أن راتبك زاد بنسبة 30% ،، لكن أسعار الغذاء والمواصلات ارتفعت بنسبة 40% في الشهر نفسه ؛ فأنت عمليًا أفقر مما كنت ،، رغم أن راتبك ارتفع ..

    لذلك تحتاج حماية معاش الناس إلى حزمة متكاملة :
    دعم الإنتاج ،، خفض تكلفة النقل ،، تحسين سلاسل الإمداد ،، توجيه التمويل للقطاعات المنتجة ،، ودعم مباشر ومدروس للفئات الأكثر هشاشة ..

    *المصرف ليس محطة تحويل أموال ،، بل مفتاح إعادة بناء الاقتصاد*
    حين يحصل المزارع على تمويله في وقته ،، والمصنع على رأس ماله العامل ،، والمصدّر على نقده الأجنبي عبر قنوات موثوقة ،، والمغترب على تحويل سريع وآمن لأمواله ،، تتحول المصارف من وسيط بسيط إلى شريك فعلي في استقرار الاقتصاد ..

    *من التضخم إلى الثقة .. العودة إلى المائدة*
    علّمتنا السنوات الماضية أن التضخم ليس مجرد رقم يرتفع أو ينخفض ،، بل اختبار ثقة :
    ثقة المواطن في عملته ،، وثقة المنتج في سوقه ،، وثقة المستثمر في اقتصاده ،، وثقة المغترب في مصرفه ..

    والمعركة الحقيقية ليست مع الرقم نفسه ،، بل مع الظروف التي صنعته ..

    فإذا أردنا جنيهًا مستقرًا ،، فعلينا اقتصادًا أكثر إنتاجًا ..

    وإذا أردنا حماية الراتب ،، فعلينا حماية قيمة الجنيه أولًا ..

    والطريق إلى ذلك لا يمر من السوق وحده ،، بل يبدأ من المصنع ،، ويعبر المزرعة والمصرف ،، ليصل أخيرًا إلى حيث بدأنا :
    مائدة المواطن ..

    وهناك ،، على تلك المائدة نفسها التي فتحنا بها الحديث ،، سنعرف يقينًا إن كانت الأرقام قد تحولت أخيرًا إلى حياة أفضل ،، أم أنها ما زالت مجرد أرقام تسكن التقارير ولا تصل إلى *الرغيف* .

    سمير سيد عثمان
    الأحد 20 سبتمبر 2026م