مراكز البحوث في السودان… أين تضيع نتائج البحوث؟

  • بتاريخ : 21 سبتمبر، 2026 - 4:26 م
  • الزيارات : 3
  • بقلم / م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    *إن البحث العلمي هو أساس نهضة الأمم ومحرك التنمية الحقيقي، والجسر الذي يربط بين الموارد الخام والقيمة المضافة، وبين الفكرة والمصنع، وبين المعرفة والاقتصاد. فلا زراعة متطورة بلا بحث، ولا صناعة منافسة بلا بحث، ولا دواء ولا طاقة ولا تنمية مستدامة بلا علم ومعرفة.*

    *والبحث العلمي ليس ترفًا أكاديميًا، بل جزء من المشروع الوطني لأي دولة تريد أن تبني اقتصادًا قويًا ومستقلًا. فالدول التي سبقتنا لم تعتمد على وفرة الموارد وحدها، وإنما نجحت في تنظيم المعرفة وتحويلها إلى تقنيات ومنتجات ومشروعات.*

    كثيرًا ما نسمع عبارة تتردد بسخرية: ماذا قدمت مراكز البحوث والباحثون السودانيون للبلد؟ السؤال مشروع، لكن توجيهه إلى الباحث وحده يتجاهل حقيقة أساسية: البحث العلمي لا يعمل في فراغ، والباحث لا يستطيع بمفرده تحويل نتيجة بحثية إلى مصنع أو منتج أو مشروع اقتصادي.

    السودان لديه مؤسسات بحثية عريقة في الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية وغيرها، ولديه باحثون قدموا دراسات وتجارب ونتائج مهمة. لكن السؤال الحقيقي هو: *ماذا يحدث لهذه النتائج بعد انتهاء البحث؟ هنا تكمن المشكلة.*

    قد يكتشف الباحث صنفًا زراعيًا أفضل، أو طريقة جديدة للتصنيع، أو استخدامًا مختلفًا لخامة سودانية، ثم تنتهي التجربة عند حدود التقرير العلمي. لا توجد جهة تتبنى النتيجة، ولا تمويل للانتقال من المختبر إلى التطبيق، ولا مصنع يختبرها، ولا مستثمر يحولها إلى منتج.

    *ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا قدم الباحث؟ بل: ماذا فعلت الدولة والقطاع الخاص بما قدمه الباحث؟*
    *كم نتيجة بحثية تحولت إلى منتج؟ وكم تقنية سودانية أصبحت صناعة قائمة؟ وكم اختراعًا تحول إلى شركة؟ وكم تقنية محلية حلت محل تقنية مستوردة؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف قوة منظومة البحث والإنتاج في أي بلد.*

    خذ مثلًا الموارد الزراعية والحيوانية التي يزخر بها السودان. لدينا القطن والسمسم والصمغ العربي والكركدي والحبوب الزيتية والفواكه والخضروات والثروة الحيوانية وغيرها. لكن القضية ليست فقط أن ننتج هذه الموارد، وإنما كيف نضيف إليها القيمة داخل السودان؟

    *وهنا يجب أن يكون البحث العلمي في قلب المشروع الاقتصادي: تطوير الأصناف، زيادة الإنتاجية، مكافحة الآفات، تحسين التخزين، تطوير التصنيع، رفع الجودة، تقليل الفاقد، وتوطين التقانات.*

    *فالبلد الذي يكتفي بإنتاج الخام ثم يستورد المنتج النهائي، يبيع موارده ويشتري قيمة الآخرين. أما البلد الذي يوظف البحث العلمي في تطوير موارده وتصنيعها، فإنه يحول المعرفة إلى ثروة وفرص عمل وقوة اقتصادية.*

    *ومن هنا، فإن إعادة بناء السودان بعد الحرب يجب ألا تقتصر على إعادة الطرق والمصانع والمباني، بل يجب أن تشمل إعادة بناء منظومة البحث والتطوير نفسها.*

    نحتاج إلى تمويل حقيقي للبحث التطبيقي، ومكاتب فاعلة لنقل التكنولوجيا، وحماية للملكية الفكرية، وحاضنات للابتكار، وشراكات مباشرة بين مراكز البحوث والمصانع والمزارعين والمستثمرين.

    كما ينبغي ألا يكون معيار نجاح الباحث هو عدد الأوراق العلمية المنشورة فقط، بل يجب أن تكون هناك قيمة واضحة للبحث الذي يتحول إلى تقنية أو منتج أو مشروع أو سياسة عامة.

    *البحث الذي يبقى في تقرير يضيف إلى المعرفة، أما البحث الذي يصل إلى أرض الواقع فيضيف إلى الاقتصاد.*

    *وعندما يعود السودان إلى البناء، يجب ألا توضع مراكز البحوث في هامش المشروع الوطني، بل في قلبه.*

    فالزراعة التي نريد لها أن تكون قاطرة للاقتصاد تحتاج إلى البحث. والصناعة التي نريد لها أن تستعيد عافيتها تحتاج إلى البحث. والدواء الذي نريد أن نصنعه محليًا يحتاج إلى البحث. والتعدين الذي نريد أن نزيد قيمته المضافة يحتاج إلى البحث.

    لذلك، فربما لا يكون السؤال الصحيح: ماذا قدم الباحث السوداني؟ بل السؤال الأهم هو: *هل وفرنا للباحث السوداني البيئة التي تجعل ما يقدمه علمًا منتجًا، لا مجرد نتائج محفوظة في الأدراج؟*

    السودان يملك موارد هائلة، ويملك عقولًا أثبتت كفاءتها في الداخل والخارج. وما نحتاجه هو أن نضع الاثنين في طريق واحد: *العلم في خدمة الإنتاج، والإنتاج في خدمة الاقتصاد، والاقتصاد في خدمة بناء السودان.*

    *وربما لا تكون المشكلة أن الباحث السوداني لم يقدم شيئًا… بل أن السودان لم يحسن حتى الآن استخدام ما قدمه الباحثون.*