معادلة الصحافة الحرة والسلطة المستبدة

  • بتاريخ : 29 مايو، 2026 - 2:51 م
  • الزيارات : 7
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    تظل الصحافة الحرة ، والأنظمة الشمولية، على خطين متوازيين إلى الأبد، لايلتقيان، ولايتقاربان… نعم لا يلتقيان حتى في الثوابت الوطنية “المزعومة”، لجهة أن الثوابت الوطنية في ظل هذه الأنظمة لا يوجد منها إلا بنودٌ مشوهةٌ ومزورةٌ حيث يتم إختزال كل الوطن وثوابته في النظام الحاكم ، فتصبح الشلة الحاكمة سواءً أكانت حزبًا أو جماعة مصالح، او تحالف بين السلطة والمال، أو مراكز نفوذ مختلفة، هي الوطن، ومن يهدد مصالحها يهدد مصالح الوطن وامنه القومي، ومن يعارض سياساتها يعارض الوطن ..
    وطبقا لذلك تتم حياكة الثوابت الوطنية لحماية النظام الحاكم لا الدولة، ويستخدمها النظام للبطش بخصومه السياسيين، ويجعل هذه الثوابت” معيارًا للوطنية، وبمقتضاها يحصل على صك الوطنية والصلاح الوطني كل من والى النظام المستبد، ويُخوَّن ويُجرَّم كل من خالف الرأي ولم يزعن ولم يظهر الولاء السياسي أو التوافق مع النظام..
    لذلك لاتلتقي الصحافة الحرة مع السلطة المستبدة في ثوابتها الوطنية المزيفة، لأن حماية الوطن عندها تعني حماية النظام القائم وإبقائه أطول فترة في الحكم بكل اسقاطاته وسوءاته، وتعني أيضًا حماية جهابذته الفاسدين من المساءلة… ووحدة الصف تعني الاصطفاف والاستقطاب والتحشيد في صف السلطة لا صف الوطن.. الوطن الذي يسع الجميع ويحتضن الجميع ويساوي بين الجميع..
    (2)
    إن وحدة الصف – في مفهوم الصحافة الحرة – تقتضي التجرد من الأجندة الحزبية، والوقوف في مسافة واحدة – فعلًا لاقولًا- بين كافة المكونات السياسية..
    وحدة الصف الوطني تقتضي الكف عن تخوين الخصوم السياسيين ووصمهم بالعمالة والارتزاق دون دليل مقنع أو سند حقيقي، لإبعادهم من المنافسة، وممارسة الإقصاء عليهم..
    في مفهوم الصحافة الحرة فإن وحدة الصف تقتضي تهيئة المناخ بشكل حقيقي لعودة الخصوم السياسيين، وفتح آفاق الحوار والنقاش الحر، في أجواء من الحرية، وذلك بعد إسقاط كل التهم السياسية مع إبقاء الجنائية منها، فالحساب الحساب لكل من ارتكب جناية وعجز عن الدفاع عن نفسه أمام القضاء المستقل..
    الصحافة الحرة تدرك أيضًا أن مناخ الحوار لا يأتي ب “عازومة المراكبية” ولا الخطب السياسية التي لايتبعها فعل حقيقي، ولا الخطاب “الناعم” الذي يستخدم لتخدير الداخل ومصانعة الخارج…
    ما أسهل أن يُقال عن الخصم السياسي أنه فاسق، قاتل عميل خائن دون تثبُت أو دليل، ثم يُشاع ذلك بين الناس، وتردده الآلة الإعلامية لترسيخه في أذهان البسطاء والعامة..
    (3)
    السلطة المستبدة تعتبر الصحافة الحرة من ألد أعدائها، ذلك لكثرة التشوهات والثغوب التي تلقي عليها الأقلام الحرة الضوء والتي تبدو معها السلطة عارية، مجردة من ثياب الفضيلة والعدل والنزاهة والمبادي والقيم السياسية، ولهذا ستظل الحساسية الشديدة قائمة بين الصحافة الحرة والسلطة المستبدة التي تحمي الفساد ومصالح مراكز النفوذ والشلليات..
    لامشاحة أن تتخذ السلطة لنفسها إعلامًا رسميًا، وتغدق عليه الأموال وتنفق عليه بإسراف فيحرق لها البخور ويمسح الجوخ ويزين لها الباطل ويغطي سوءاتها، ويضخك انجازاتها، فهذه وظيفته ،لكنها بالمقابل يجب إلا تضيِّق على الإعلام الحُر، وتسعى لترويضه بالترهيب والترغيب ليقوم بدور الإعلام السلطوي، وإلا فهو إعلام معادٍ ومتربص وعميل..!!!.
    (4)
    الإعلام الحُر هو “تيرمومتر” حقيقي لقياس درجة الديمقراطية داخل أي نظام سياسي أيًّا كان تصنيفه، فهو -أي الإعلام الحُر هو الذي يضع الأنظمة السياسية في محك الاختبار، ويقيس مدى قدرتها على الممارسة الديمقراطية، وكم هو البون بين شعاراتها والواقع على الأرض، ويقيس درجة تحملها على ممارسة الرقابة عليها، ومدى قوة تحملها لنقد الأداء من أجل التجويد ،والفيصل بينهما القضاء المستقل..
    أعود وأقول لا عداء ولاتربص بالسلطة وإنما هي وظيفة تؤديها الصحافة الحُرة، ودور متعاظم يقوم به الإعلام الحُر ، ومهمة جُعلت لتمام الأداء واستكماله ومداراة النقص، وتحجيم استشراء الفساد والفوضى..
    لكن للأسف أن معظم أجهزة الرقابة على كثرتها تبدو في ظل الانظمة الشمولية، مدجنة، مهيضة الجناح، مخلوعة الأنياب والأظافر، وقد تلاشت الفواصل بينها والجهاز التنفيذي واختلط فيها الحابل بالنابل لغياب الفصل بين السلطات، فطغت السلطة التنفيذية على ما سواها من السلطات، التشريعية والقضائية، وضيقت على السلطة الرابعة بالملاحقات والتربص….اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.