العدالة الإنتقالية: الميزان الذي يمنع سقوط البلد*

  • بتاريخ : 29 مايو، 2026 - 9:48 ص
  • الزيارات : 11
  • بقلم / م م الإمام عبداللطيف الإمام

    *العدالة الانتقالية ليست مادة قانون في كتاب، ولا بند في اتفاق سياسي يتفاوض عليه تحت الطاولة.*
    هي شرط وجود الدولة بعد الحرب. من غيرها، أي كلام عن بناء وإعمار يبقى ترميم على أنقاض هشة. دولة تُبنى فوق جث لم تُدفن وجرائم لم تُحاسب عليها، ستعود للحرب بأسرع مما تتوقع.

    *عن ماذا نتكلم نحن بالضبط؟*

    العدالة الانتقالية ليست “كلمة حلوة” نرميها في خطاب. هي منظومة من 4 ركائز، لو وقعت واحدة، وقع الباقي:

    • *كشف الحقيقة*
    ما حصل لازم يتقال زي ما هو.
    مين قتل؟ مين أمر؟ مين موّل؟ مين سكت وهو قادر يتكلم؟
    وين المقابر الجماعية؟ وين المعتقلين؟ وين أموال الناس المنهوبة؟
    بدون لجنة تقصي حقائق مستقلة، وبدون أرشيف مفتوح للجميع، حنقعد نتهم بعض 20 سنة قدام. الحقيقة ما بتقتل حد، لكن الكذب بقتل أجيال.

    • *المحاسبة*
    العدالة ما بتعرف “كبار القوم”.
    محاكمة عادلة وعلنية لكل من تلطخت يده بالدم أو المال الحرام، مهما كان رتبته أو إنتماؤه.
    قانون ما بفرّق بين مجرم بلبس عسكري ومجرم بلبس مدني.
    لما الناس تشوف إن القانون وقف قدام زول كبير، ساعتها بس بتصدق إن في دولة.

    • *جبر الضرر*
    الضحايا ما دايرين خطب. دايرين كرامة ترجع.
    تعويض مادي للناس الخسرت بيوتها ومصادر رزقها.
    إعادة إعتبار معنوي: إعتذار رسمي، ذكر أسماء الشهداء في أماكن عامة، إعادة تأهيل نفسي للناجين.
    فتح ملفات المفقودين والمعتقلين. أم ما تعرف مصير ولدها ما حتسكت، وحتورث الغبن لعيالها.

    • *ضمانات عدم التكرار*
    ودي أهم نقطة. لو ما غيرنا الجذور، حنحصد نفس الثمرة بعد 5 سنين.
    حل وتفكيك المليشيات ودمجها في جيش مهني واحد.
    إصلاح الأجهزة الأمنية: مناهج تدريب، رقابة مدنية، محاسبة داخلية.
    تغيير القوانين اللي شرّعت الظلم: قوانين الطوارئ، الحصانات المطلقة، القوانين المقيدة للحريات.

    *ليه ما نتجاوزها بـ “عفا الله عما سلف”؟*

    لأن التجاوز الرخيص ما إسمه عفو، إسمه تواطؤ.
    الجريمة التي لم تتم المحاسبة عليها بتتحول لسابقة. القاتل بفهم إن القتل مربح، والناهب بفهم إن النهب شطارة، والشاهد بفهم إن السكوت أسلم.
    التاريخ القريب عندنا وعند غيرنا مليان أمثلة:

    – *رواندا بعد إبادة 1994*:
    ما قامت إلا بمحاكم “الغاتشاتشا” الشعبية ولجان الحقيقة. واجهوا الجريمة، حاسبوا الجناة، وبعدها بدت المصالحة. اليوم رواندا من أكثر الدول إستقراراً في أفريقيا.
    – *جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد* :
    لجنة الحقيقة والمصالحة خلّت الضحايا يواجهوا الجلادين علناً. كان في عفو مشروط بالإعتراف الكامل بالجريمة. من غير الخطوة دي، كان البلد إنفجر.
    – *العكس:* الجزائر بعد العشرية السوداء: قانون “الوئام المدني” طوى الملف بدون محاسبة حقيقية. النتيجة؟ الجراح مدفونة، والثقة بين الناس والدولة ما رجعت كاملة.
    – *عندنا في السودان* : تجاوزنا مجازر كتيرة باسم “الاستقرار”، وكل مرة رجعنا لنفس الدائرة. المصالحة من غير محاسبة إسمها إستسلام. والإستسلام ما ببني وطن.

    *من أين تبدأ المصالحة الحقيقية؟*

    ما بتبدأ بسلام على الهواء ومصافحة أمام الكاميرات.
    بتبدأ بـ:
    *إعتراف الجاني بجرمه. ما في مصالحة مع إنكار*.
    *إعتذار رسمي للضحايا. كلمة “آسف” من الدولة بتساوي كتير.*
    *إرجاع المنهوب. بيت، أرض، مال، كرامة.*
    *محاكمة علنية يحضرها الناس. عشان يطمئنوا إن ما في صفقات تحت الطاولة.*

    *بعد الخطوة دي بس، يجي دور العفو والصفح المجتمعي*.
    *العفو فضيلة، لكنه ما بكون على حساب دم لم يبرد بعد، وعرض لم يصان، وحق لم يرجع.*

    *المخاطرة لو تجاهلناها*

    *أي تسوية سياسية تتجاهل العدالة الانتقالية بتزرع قنبلة موقوتة*:
    *أهل الضحايا ما بينسوا. الغبن بتورث زي الورثة.*
    *الأجيال الجديدة بتكبر على قصص الظلم، وبتشيل السلاح بدري*.
    *الدولة بتصبح رهينة لعصابات مسلحة بتستخدم ملف “الاستقرار”كإبتزاز: “لو ما أديتونا مناصب، حنرجع للحرب”*.
    *النتيجة :-دورة عنف جديدة، بس باسم جديد وشعارات جديدة*.
    *شفنا ده في ليبيا بعد 2011، وفي اليمن بعد كل هدنة. تجاهل العدالة ما بجيب استقرار، بجيب استراحة محارب

    *الخلاصة*

    البلاد التي تبتغي النهوض تدرك أن العدالة شرطٌ لازم للاستقرار، وليست بديلاً عنه.
    لا يوجد إستقرار حقيقي من غير عدالة. والعدالة الانتقالية هي الجسر الوحيد بين ماضي الدم ومستقبل البلد.
    يا نعدّي عليه كلنا، يا نغرق كلنا في نفس الوحل.

    لأن الدولة ما بتُبنى بالأسمنت والطوب براها. بتُبنى بثقة الناس في إنو لو اتظلموا، في زول حيسمعهم. ولو انقتلوا، في زول حيتحاسب. ولو بكوا، في زول حيمسح دمعتهم.