أثر السكينة على وهج القلم

  • بتاريخ : 29 مايو، 2026 - 6:34 ص
  • الزيارات : 11
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “محام- كاتب وروائي- مستشار قانوني”

    الكتابة في جوهرها ليست ترفًا لغويًا، ولا مجرد براعةٍ في هندسة العبارات، وإنما هي صوتُ الروح حين تبحث عن منفذٍ تعبّر به عن دهشتها وأوجاعها وأحلامها. فالقلم لا يشرق وهجه من مدادٍ يُسكب على الورق فحسب، بل من سكينةٍ تسكن الأعماق، ومن إحساسٍ صادقٍ بالحياة وما يعتريها من تقلبات. لذلك كانت النفس المطمئنة أقدر على التقاط المعاني، وأرهف إحساسًا بجمال التفاصيل، وأكثر قدرةً على تحويل التجربة الإنسانية إلى كلماتٍ تنبض بالحياة وتلامس شغاف القلوب.

    فالسكينة ليست مجرد هدوءٍ عابر، بل هي حالة من الاتزان الداخلي تمنح الإنسان القدرة على التأمل العميق ورؤية الأشياء في حقيقتها بعيدًا عن ضجيج المخاوف وتشويش القلق. وعندما تستقر النفس، تتدفق الأفكار في هدوء، وتجد الكلمات طريقها إلى الورق دون عناء، فتأتي الكتابة أكثر نضجًا وصدقًا وتأثيرًا.

    وقد وقفت على هذه الحقيقة وقوفًا لا يخالطه شك بعد عودتي من القاهرة إلى الخرطوم. ففي القاهرة، ورغم ازدحامها وضجيجها الذي لا يهدأ، ظل شعور الاستقرار حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. الناس يمضون إلى أعمالهم، والطلاب إلى جامعاتهم، والتجار إلى متاجرهم، وكل شيء يسير في نسقه الطبيعي الذي يمنح الإنسان إحساسًا بالأمان ويتيح له مساحة للتفكير والحلم والإبداع.

    أما الخرطوم، فقد بدت لي عند العودة مدينةً غير تلك التي غادرتها. كانت الحرب قد تركت بصماتها القاسية على تفاصيل المشهد كله؛ مبانٍ أصابها الخراب، ومرافق أنهكها الدمار، وأحياءٌ خيّم عليها صمتٌ ثقيل بعد أن كانت تضج بالحياة والحركة. وبينما كنت أتجول بعيني في تلك المشاهد المؤلمة، لم يكن حزني منصبًا على ما تهدّم من عمران فحسب، بل على ما أصاب الإنسان السوداني من معاناةٍ وتشردٍ وفقدان. عندها شعرت بأن الحرب لا تهدم الجدران وحدها، وإنما تمتد يدها الغليظة إلى الذكريات والأحلام وإحساس الناس بالأمان والانتماء.

    وفي تلك اللحظات أدركت أن السكينة ليست نعمةً هامشية في حياة البشر، بل هي أساسٌ تقوم عليه الحياة كلها. فالإنسان حين يشعر بالأمان تتفتح أمامه آفاق التفكير والإبداع، أما حين تحاصره المخاوف والهموم، فإنه ينشغل بمواجهة واقعه القاسي أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة أو الجمال.

    ومع ذلك، فإن الألم يظل أحد الروافد الكبرى للكتابة. فالتاريخ الأدبي زاخر بالنصوص التي وُلدت من رحم المعاناة، وبالأشعار التي خطّها أصحابها بمداد الدموع قبل الحبر. غير أن الألم وحده لا يصنع أدبًا خالدًا، لأن المعاناة إذا استحكمت واستمرت استنزفت الروح وأطفأت جذوة الإبداع. فالإبداع الحق يحتاج إلى تجربةٍ إنسانية عميقة، لكنه يحتاج كذلك إلى لحظة صفاء تسمح للكاتب أن يتأمل تجربته ويعيد تشكيلها في صورة فنية مؤثرة.

    ولعل هذا ما يفسر أن كثيرًا من الأعمال الأدبية الخالدة لم تُكتب في قلب العاصفة، بل بعد أن هدأت قليلًا. فعندما تخف وطأة الصدمة، يستطيع الإنسان أن ينظر إلى ما جرى بعين الحكمة، وأن يستخلص من الألم معنى، ومن الخسارة درسًا، ومن الحزن رؤية أوسع للحياة.

    إن المدن، مثل البشر، تحمل أرواحًا خفية لا تُرى بالعين المجردة. وعندما تنعم المدن بالسلام والاستقرار، ينعكس ذلك على وجوه أهلها، وعلى أحلامهم، وعلى قدرتهم على الإنتاج والعطاء. أما حين تعصف بها الحروب، فإن آثارها لا تتوقف عند الخراب المادي، بل تمتد إلى الوجدان الجمعي للأمة، وتترك ندوبًا عميقة في الذاكرة لا تزول بسهولة.

    ومن هنا فإن النهضة الفكرية والثقافية لا تنفصل عن الاستقرار النفسي والبيئي. فالمبدع يحتاج إلى فضاءٍ يشعر فيه بالأمان، كما تحتاج الكلمة إلى مناخٍ يسمح لها بالنمو والانتشار. وحين يستقر الإنسان، يصبح أكثر قدرة على القراءة والتأمل والإبداع، وأكثر استعدادًا للمشاركة في بناء مجتمعه وصناعة مستقبله.

    ولعل ما يحتاجه السودان اليوم، إلى جانب إعادة إعمار ما دمرته الحرب، هو إعادة بناء الإنسان السوداني نفسه؛ إعادة ترميم ثقته في الغد، وإحياء الأمل في نفسه، واستعادة شعوره بالأمان والانتماء. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان القادر على الحلم والعمل والإبداع.

    فالسكينة، في نهاية المطاف، ليست مجرد حالة نفسية عابرة، وإنما هي التربة الخصبة التي تنمو فيها الأفكار، والماء الذي يسقي شجرة الإبداع، والنور الذي يحفظ وهج القلم متقدًا مهما اشتدت العواصف. وحين تعود السكينة إلى النفوس، تعود للكلمات قدرتها على الإلهام، ويستعيد القلم رسالته في نشر الوعي والجمال والأمل، وتبدأ رحلة التعافي الحقيقية للأوطان والإنسان.