بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة الرابعة
أواصل الحديث عن مرتكزات بناء الشخصية السودانية .. تحدثت في الحلقة الفائتة عن المرتكز الديني العقدي وسأتناول اليوم الجوانب الأخرى المتصلة بهذا المرتكز ممثلة في الموروث الشعبي المحلي بإختلاف تكوينات الشعوب المكونة لما إصطلحنا على تسميتهم بالسودانيين وكذلك الثقافات والعادات الوافدة مع الهجرات المستمرة نحوه من الصحارى الأفريقية غربا والعربية شرق البحر الأحمر (بحر القلزم) ..
مجموعة الشعوب السودانية تتباين طبيعة تركيبها العام وتسلسل بنائها الإجتماعي بين المجموعات الأصيلة من النوبيين والزنج و الوافدين من خارجهم من زنج وعرب وأباعد من مواطن شتى ومختلفة ..فإختلاف هذه المجموعات إرتبط به إختلاف الترتيب الإجتماعي داخل كل مجموعة وإختلاف العادات والتقاليد والقيم الإجتماعية تبعا لذلك بين أهل الأستقرار على ضفاف الأنهر الذين تقوم حياتهم على الزراعة المستقرة و بين المجتمعات المتنقلة بعيدا في البوادي يمتهنون الرعي والترحال المستمر وقليل من زراعة موسمية لدى بعضهم وهؤلاء يمثلون الغالبية الكاثرة المكونة للشعوب السودانية شرقا وغربا وجنوبا و غالب شماله بعيد عن وادي النيل وتفرعاته لذلك نلاحظ سيادة قيم ومعايير المجموعات المترحلة صاحبة البداوة على قيم المجموعات المستقرة على الزراعة والرعي معا رغم التواصل الممتد بين المجموعتين صداما أحيانا وتبادلا للمنافع أحيانا اخرى ..
تمثلت أبرز القيم والعادات في سيادة مفهوم الترتيب القبلي والتزام الفرد قيم الجماعة وخضوعه لها متنازلا عن كثير من حقوقه الفردية مقابل الحماية التي توفرها المجموعة عشيرة كانت أو قبيلة على المستوى الأعلى فكانت سلطة القبيلة و أوامر الزعيم أو الشيخ و التراتيبية المتنقلة أسفل السلم حتى كبير العشيرة أو خشم البيت والاسرة هي القانون الضابط لحركة هذه المجتمعات .. فالكبير يدير ويتحمل مسئولية من تحته وآليه المرجع في القرارات و القيام بتوفير الحماية والبت في الخلافات والتحكم في سائر شئون الحياة لمجموعته ..
تغيرت هذه القيم بمرور الوقت و التفاعل الناتج عن أثر التداخل مع القادمين مع الغزوات والهجرات ..و من ضمن الموثرات الخارجية على الشخصية السودانية في بعض شرائحها القادمون الجدد من جنسيات مختلفة للسودان أيام الوجود المملوكي ثم البريطاني بالسودان فالهجرات لأوديته لم تنقطع من الجوار القريب حوله ومن أصقاع بعيدة كذلك فاليونان والطليان واليهود والأرمن والهوسا والفولاني والشناقيط والمصريين والأحباش وغيرهم دخلوا واستقروا بالسودان إستقرار المواطن بكامل الحقوق والحرية في العمل والكسب بأريحية السودانيين وبقوانين الكسب الطبيعية فأثروا في الحركة التجارية وقطاع من السودانيين في هذا المجال إستفادوا وتعلموا من الوافدين واتصلوا ببحر التجارة العالمية الزخار أو من تجارب التنوع في أساليب الزراعة والمحاصيل والعادات والمأكل والمشارب والملبس وغيرها ..
أثرت كذلك الثقافات الواردة على قطاع من العاملين بالعمل السياسي أو النشاطات العامة فجأت الأفكار والأيديولوجيات من أنحاء العالم يمينا ويسارا وأقتطعت لها قسطا من المتعلمين وحتى العامة إنضوا تحت لوائها وتمرنوا فنون العمل ضمن منظوماتها المنضبطة وأثروا على السلوك العام وعلى المسرح الإجتماعي والسياسي بماهو مشاهد
بهذا أختم المحور الأول .. المرتكزات الفكرية في تكوين الشخصية السودانية رغم أني أرى أن ما تم تناوله يمثل شذرات مبعثرة عن هذا المحور الذي يحتاج تسطير كتب ومقالات عند الكتابة عنه .. ولعلها تكون روؤس أقلام للباحثين الشباب لتتبعها كموضوعات لدراساتهم الجامعية والعليا في قادم الأيام ..
سأناقش في الحلقة القادمة المحور الثاني والخاص بأثر البيئة على تكوين وخصائص الشخصية السودانية ..
أواصل ..









إرسال تعليق