لن تأخذنا العصيية المهنية..فالحقُّ أحقَّ أن يُتَّبع

  • بتاريخ : 28 مايو، 2026 - 7:59 ص
  • الزيارات : 20
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    لا أميل إلى التسرع في الحكم على أداء المسؤولين في الدولة، ولا تصرفاتهم إلا بالقدر الذي يبدو لي من ممارساتهم، ففي الأحكام المسبقة القائمة على الإنطباعات والتخمينات والتكهنات ظلم وتشويش وإعاقة لعمل المسؤول، تمامًا كما في الحماس لمحاربة الفساد قبل إكتمال البيات والحُجج، فالسهم الذي تُشدَّ وتره بقوة وحماس في هذه الحالة سيرتدُّ إلى نحرك لا محالة فيؤذيك، لذلك كثيرا ما كنتُ أنصحُ الصحافيين المبتدئين والمتدربين بعدم أخذ الناس بالظِنَّة والتكهنات، وأن يتقمص الصحافي شخصية القاضي، ولايمسك بقلمه في القضايا الحساسة إلا بعد إكتمال البينات والمستندات التي تعزز كتابه، وتحمي ظهره، وتبريء ذمته، وبعد ذلك إذا وقع في الخطأ، يكون قد استنفد أسباب الوقاية من السقوط فيه، ويسلم لقدره..
    (2)
    كل الذين انتقدنا تصرفاتهم، وفضحنا ممارساتهم الفاسدة، علم الله إننا لم نفعل إلا بعد التثبت والتروي، ليس حذرًا وخوفًا من المحاكم وسطوة ذوي الشوكة، بل اتقاء الظلم، لذلك كنتُ أحصي البلاغات المدونة في مواجهتي خلال عملي رئيسا للتحرير فأجدها وصلت في العام الواحد ما بين 120 إلى 130 بلاغًا ، وأجد نفسي في نيابة الصحافة مطلوب للتحري في “5” بلاغات دفعة واحدة في يوم واحد، لأستعد صباح اليوم التالي لبلاغات مماثلة، بعضها يُشطب في حينه، وبعضها يصل المحاكم،
    وبفضل الله وما قيَّض الله لي من المستندات والوثائق ومحامين “ركائز” ، لم أُدان في فترة عملي بالصحافة والتي امتدت إلى نحو “40” عامًا في بلاغ إلا واحد فقط، ومن الغرائب أن الحكم الذي صدر ضدي في تلك المرة الواحدة ، كان محل استنكار حتى من هيئة محامي الاتهام، لعدم تماسكه وتجاهله مستنداتي – إي والله-
    وفي بعض الأحيان أجد في جدولي “4” جلسات في بلاغات مختلفة أمام قضاة مختلفين فأقضي سحابة يومي كله في المحكمة من الثامنة صباحا حتى الرابعة عصرًا لحضور الجلسة بعد الأخرى، مع ذلك لم أُدان فيها وأنا الذي تناولتُ فساد الكبار والصغار وبالأسماء والمستندات.. وهنا لابد أن أذكر على سبيل المثال أختي الغالية، المستشارة القانونية ، المحامية الضليعة لطالما سندت ظهري، الأستاذة فتحية عبد القادر التي كلما أراها بجانبي أمام القضاة تتسرب السكينة إلى نفسي فتملأ قلبي ويفيض بها صدري وتسكن روحي ، فتنقشع سحائب الخوف ورهبة المحاكم، وما ذاك إلا عن ثقتي الكبيرة جدًا في تلك المرأة الفولاذية- حفظها الله أين ماكانت – فلها مني كل الشكر وفائق التقدير.
    (3)
    قبل أيام طلب مني أحد الزملاء أن أتناول قضية حكم السجن الذي تقضيه الزميلة المناضلة (سافوتة أضان الفساد)، باعتباري صاحب تجربة ومِراس في معترك محاربة الفساد- هكذا قالها-
    والحق أني حزنتُ جدًا لما نالها، ومازلتُ أروِّي في الأمر،وأطرح أسئلة، هل ظَلمت الزميلة رشان المقدم عبد المطلب؟ أهو بريء؟هل وقعت رشان في فخ الخديعة؟ أم اُستخدمت لتصفية حسابات وهي لاتدري، وقد دفعها الحماس لمحاربة الفساد ؟..
    الذي أعرفه أن الزميلة رشان تمتلك حساسية مفرطة ضد الفساد، ولا تتصالح معه مطلقًا وفوق ذلك فهي صاحبة مباديء وأخلاق، ولعل هذا ما دفعها للنشر للدرجة التي نسيت حماية نفسها، ولم يَدُر بخلدها أن الذي سرب إليها المعلومات يمكن أن يخذلها، أو يجبُن، وهو يدرك ان الصحافي لايمكن أن يبوح لأي جهة بمصدره فاطمأن وتوارى، واكتفى بالفرجة من البعد…
    (4)
    إن الحقيقة التي يجب أن نقف إلى صفها، هو أن الزميلة المحترمة عجزت عن الدفاع عن نفسها، وانطوى على هذا العجز ظلم على الشاكي فاستحقت الإدانة واستحق هو البراءة ممانسب إليه.. على الأقل هذا هو الموقف القانوني الظاهر الذي بُنيت عليه الأحكام وتأسس عليه قرار المحكمة ، وهو الذي يجب ان نسلم به، فلا عصبية مهنية، ولا تجاوز لأحكام القانون، ونحن أولى الناس بإعلاء قيم ومبادي القانون، ومكافحة الظلم والوقوف مع المظلوم..
    وإن كان لنا قول، فإننا نذكِّر فقط الشاكي بقيم التسامح ونحسه عليها، ولكن لانغمطه حقه، ولن تأخذنا الحمية المهنية والتعصب لقبيلة الصحافيين لنضع أنفسنا في الموضع الخطأ..فالحق أحق أن يتبع..
    أما الزميلة المحترمة رشان تظل عندنا موضع الثقة الصادعة بالحق والتي لاتخشى فيه لومة لائم، وسنظل داعمين لها ومؤيدين مسارها في محاربة الفساد، ولن ننزِعَ حتى تنزَع، أو تحيد عن الطريق، وفي يقيني أن هذه التجربة ستكون مفيدة لها لتأتي أقوى وأمضى وأشد بأسًا على الممارسات الفاسدة….اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.